‏إظهار الرسائل ذات التسميات انتخاب مِن كتاب "صحيح الترغيب والترهيب" (ط1، 1421ﻫ، مكتبة المعارف - الرياض). إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات انتخاب مِن كتاب "صحيح الترغيب والترهيب" (ط1، 1421ﻫ، مكتبة المعارف - الرياض). إظهار كافة الرسائل

الترغيب في الرباط، وليس مِن ذلك ملازَمةُ الصوفيةِ للرُّبُط


الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام علىٰ خاتم رسل الله، وعلىٰ آله وصحبه ومَن والاه.
أمَّا بعد
قال الحافظ المنذري رَحِمَهُ اللهُ:
كتاب الجهاد (1).
(الترغيب في الرباط في سبيل الله عَزَّ وَجَلَّ).
عن سهل بن سعد رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
«رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.
وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا.
وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا»(2).
رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم (3).
(الغَدوة) بفتح الغين المعجمة: هي المرَّة الواحدة مِن الذهاب.
و (الرَّوحة) بفتح الراء: المرَّة الواحدة مِن المجيء.
__________
[تعليق الوالد رَحِمَهُ اللهُ]:
(1) أصل الجهاد في اللغة: الجهد، وهو المشقة. وفي الشرع: بذل الجهد في قتال الكفار.
قلت: هو أعم مِن قتالهم بالأسلحة الحربية؛ لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَنْفُسِكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُمْ». "المشكاة" (3821)، و"صحيح أبي داود" (1261).
(2) (الرِّباط) بكسر الراء وبالباء الموحدة الخفيفة: ملازَمة المكان الذي بين الكفار والمسلمين؛ لِحراسة المسلمين منهم.
قلت: وليس مِن ذلك ملازمةُ الصوفية للرُّبُط، وانقطاعُهم فيها للتعبُّد، وتركُهم الاكتسابَ، اكتفاءً منهم -زعموا([1])- بكفالة مسبِّبِ الأسباب سبحانه وتعالى، كيف وهو القائل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، ولذلك قال عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (لا يَقعدنّ أحدكم في المسجد يقول: اللهُ يرزقني؛ فقد عَلمتُم أنَّ السماءَ لا تمطرُ ذهبًا ولا فضة).
وقوله: «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» أي: على الدنيا، وفائدة العدول عن قوله: "وما فيها" هو أنّ معنى الاستعلاءِ أعمُّ مِن الظرفية وأقوى، فقصده زيادة للمبالغة([2])، وبيان الحديث أنّ الدنيا فانية، والآخرة باقية. والدائم الباقي خير مِن المنقطع الكثير. والله أعلم.
(3) قلت: عزوه لمسلم لا يخلو مِن تسامح؛ فإنه لم يرو منه (6/ 36) إلا جملة الغدوة، وانظر "تحفة الأشراف" (4/ 113/ 4716)، وهي مروية عن جمع مِن الصحابة منهم سلمان الآتي بعده. وهي مخرجة في "الإرواء" (5/ 3 - 4).

"صحيح الترغيب والترهيب" (12- كتاب الجهاد/ 1- الترغيب في الرباط في سبيل الله عَزَّ وَجَلَّ / 2/ 64/ ح 1216 (صحيح)).

الأربعاء 27 رجب 1440هـ




([1]) من ذلك قول المناوي في شرح حديثٍ آخرَ في فضل الرباط: "أصلُ الرِّبَاطِ: مَا ترْبط فِيهِ الْخَيل، ثمَّ قيل لكلِّ أهل ثغرٍ يدْفع عَمَّن خَلفه: رِبَاط، وَأُخذ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّة مُلَازمَة الصُّوفِيَّة للرُّبُط؛ لِأَن المرابط يدْفع عَمَّن خَلفه، والمقيم فِي الرِّبَاط على التَّعَبُّد يُدْفع بِهِ وبدعائه الْبلَاء عَن الْعباد والبلاد، لَكِنْ ذَكَرَ الْقَوْمُ للمرابطة بالزوايا والربط شُرُوطًا، مِنْهَا: قطع الْمُعَامَلَة مَعَ الْخلق وَفتح الْمُعَامَلَة مَعَ الْحق، وَترك الِاكْتِسَاب اكْتِفَاء بكفالة مسبب الْأَسْبَاب، وَحبس النَّفس عَن المخالطات والمعاملات، وَاجْتنَاب التَّبعَات، وملازمة الذّكر والطاعات، وملازمة الأوراد، وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة، وَاجْتنَاب الفضلات، وَضبط الأنفاس، وحراسة الْحَواس، فَمَن فَعَل ذَلِك؛ سُمي مرابطًا مُجَاهدًا، وَمَن لَا؛ فَلَا" اﻫ من "التيسير بشرح الجامع الصغير" (2/ 28).
([2]) ينظر شرح بدر الدين العيني في "عمدة القاري" (14/ 176).

لا يَقْبَلُ اللهُ منه صَرْفًا ولا عَدْلًا


الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام علىٰ خاتم رسل الله، وعلىٰ آله وصحبه ومَن والاه.
أمَّا بعد
قال الحافظ المنذري رَحِمَهُ اللهُ:
روى النسائيُّ والطبرانيُّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«اللهُمَّ! مَنْ ظَلَمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ(1) وَأَخَافَهُمْ؛ فَأَخِفْهُ، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»
[1] (الصرف): هو الفريضة. و (العدل): التطوع، قاله سفيان الثوري.
[2] وقيل: هو النافلة، و (العدل): الفريضة.
[3] وقيل: (الصرف): التوبة، و (العدل): الفدية. قاله مكحول.
[4] وقيل: (الصرف): الاكتساب، و (العدل): الفدية.
[5] وقيل: (الصرف): الوزن، و (العدل): الكيل.
وقيل غير ذلك ([1]) .

وقال -الحافظ المنذري- في موضع آخر:
وعن يزيد بن شريك بن طارق التميمي قال:
رأيتُ عليًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ على المنْبَرِ يخطُبُ، فسمعتُه يقولُ:
لا -واللهِ!- ما عِنْدَنا مِنْ كتابٍ نَقْرَؤه إلَّا كِتابَ اللهِ، وَمَا في هَذِهِ الصَّحيفَةِ.
فَنَشَرَها، فَإذا فيها أسْنانُ الْإبِلِ، وأشْيَاءٌ مِنَ الجِرَاحاتِ، وفيها: قال رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا.
وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا([2]) ؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا.
وَمَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا».
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي(2).

وفي موضع آخر:
عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
«مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا فَاغْتَبَطَ(3) بقَتْلِه؛ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا».
رواه أبو داود. ثم روى عن خَالِدُ بْنُ دِهْقَانَ سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الْغَسَّانِيَّ عَنْ قَوْلِهِ «اعْتَبَطَ بِقَتْلِهِ»؛ قَالَ:
"الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي الْفِتْنَةِ، فَيَقْتُلُ أَحَدُهُمْ، فَيَرَى أَحَدُهُمْ أَنَّهُ عَلَى هُدًى، لَا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ [يَعْنِي مِنْ ذَلِكَ]".
(الصرف): النافلة. و (العدل): الفريضة. وقيل: غير ذلك، وتقدم فيمن أخافَ أهلَ المدينة.

وآخر :
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«ثَلاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنهُمْ صَرْفًا وَلا عَدْلًا:
عَاقٌّ.
وَمَنَّانٌ.
وَمُكَذِّبٌ بالقَدَرِ».
رواه ابن أبي عاصم في "كتاب السنة"(4) بإسناد حسن.
__________
[تعليقات الوالد رَحِمَهُ اللهُ]:
(1) زاد أبو نعيم في "الحلية": "ظالمًا لهم".
(2) قلت: يعني في "الكبرى" (2/ 486/ 4277 و4278)، وليس عنده، ولا عند المذكورين معه "رأيت عليًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ على المنبر"، وقد ساقه البخاري في خمسة مواضع (1870 و3172 و3179 و6755 و7300)، وكذلك ليست عند آخرين ممن خرجوا الحديث كابن حبان بروايتين (3708 و3709)، وأحمد بثلاث روايات، وغيرهم، وهو مخرج في "الإرواء" (1058)، فالظاهر أنَّ المؤلف رواه بالمعنى، ففي رواية البخاري الأخيرة بلفظ: "خَطَبَنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ آجُرٍّ وَعَلَيْهِ سَيْفٌ فِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ. . .".
(3) الأصل: (فاعتبط) بالعين المهملة، والتصويب من المخطوطة و"سنن البيهقي" وما يأتي، ووقع في بعض نسخ (أبي داود) بالعين المهملة. قال الناجي:
"تفسير الراوي الآتي يدل على أنه من (الغبطة) بالغين المعجمة، وهو الفرح والسرور؛ لأن القاتل يفرح بقتل خصمه، وإذا كان المقتول مؤمنًا وفرح بقتله؛ دخل في هذا الوعيد. كذا نقله المصنف في حواشي "مختصر السنن"، ثم نقل عن الخطابي أن اللفظة (اعتبط) بالعين المهملة وقال: يريد أنه قتله ظلمًا لا عن قصاص".
(4) رقم (323 - بتحقيقي).

"صحيح الترغيب والترهيب" (11- كتاب الحج/ 15- الترغيب في سكنى المدينة إلى الممات/ 2/ 63/ ح 1215 (صحيح)).
(17- كتاب النكاح وما يتعلق به/ 8 - الترهيب من أنْ يَنْتَسِبَ الإنسان إلى غير أبيه أو يتولى غير مواليه/2/ 436/ ح 1986 (صحيح) ).
(21- كتاب الحدود وغيرها/ 9- الترهيب من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق/ 2/ 633/ ح 2450 (صحيح)).
(22- كتاب البر والصلة وغيرهما/ 2- الترهيب من عقوق الوالدين/ 2/ 662و 663/ ح 2513 (حسن)).

خلاصة
مِن الذين لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا:
- مَن ظَلَمَ أهلَ المدينة وأخَافَهُمْ.
- مَن أتى ببدعةٍ في المدينة، أو رضي فيها ببدعة.
- مَن أتى بجريمة منكَرة فيها، أو نَصَر مجرمًا وحال بينه وبين القصاص.
- مَن نقض عهدَ مسلمٍ لكافر، فتعرَّض له بقتلٍ أو بأخذِ مال.
- مَن انتسب إلى غير أبيه.
- مَن انتمى إلى غير مَن أعتقه.
- مَن قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله. ومنه: 
- الذي يقاتِل في الفتنة فيَرى أنه على هُدًى؛ فلا يَستغفِر.
- العاقّ لوالدَيه أو أحدِهما.
- المنّان بما يعطي.
- المكذِّب بالقَدَر.

نسأل اللهَ العافية.
ربَّنا! تقبَّلْ منّا؛ إنكَ أنتَ السّميعُ العليم
وتُبْ علينا؛ إنكَ أنتَ التوّابُ الرّحيم

الجمعة 10 جمادى الآخرة 1440هـ


([1]) من الأقوال:
[6] "الصَّرْفُ: المَيْلُ، والعَدْلُ: الاسْتِقامةُ، قاله ابنُ الأَعرابِيّ.
[7] وقِيلَ: الصَّرْفُ: ما يُتَصَرَّفُ به، والعَدْلُ: المَيْلُ، قاله ثَعْلَبٌ.
[8] وقيلَ: الصَّرْفُ: الزِّيادةُ والفَضْلُ، وليس هذا بشَيءٍ.
[9] وقيل: الصَّرْفُ: القِيمة، والعَدْلُ: المِثْلُ. وأَصلُه في الفِدْيَةِ، يقال: لم يَقْبَلُوا منهم صَرْفًا ولا عَدْلًا: أي لم يَأْخُذوا منهم دِيَةً، ولم يَقْتُلُوا بقَتِيلهِم رَجُلًا واحِداً، أي: طَلَبُوا منهم أَكْثَرَ من ذلك، وكانت العَرَبُ تَقْتُلُ الرجُلَيْنِ والثلاثةَ بالرَّجُلِ الواحدِ، فإِذا قَتَلُوا رَجُلًا برَجُلٍ، فذلك العَدْلُ فيهم، وإذا أَخَذُوا دِيَةً فقد انْصَرَفُوا عن الدَّمِ إلى غيره، فصَرَفُوا ذلك صَرْفًا، فالقِيمةُ صَرْفٌ؛ لأَنَّ الشيءَ يُقَوَّمُ بغيرِ صِفَتِه، ويُعْدَلُ بما كانَ في صِفَتِه، ثم جُعِلَ بعدُ في كُلِّ شيءٍ، حتى صارَ مَثَلًا فيمَنْ لم يُؤْخَذْ منه الشَّيْءُ الذي يَجِبُ عَلَيه، وأُلْزِمَ أَكْثَرَ منه، فتأَمَّلْ ذلِك" اﻫ من "تاج العروس" مادة صرف (12/ 12/ ط 1408هـ، مطبعة حكومة الكويت).
[10] وقيل: "الصّرْف: الْحِيلَة، وَمِنْه قَوْلهم: إِنَّه ليتصرف فِي الْأُمُور، وَالْعدْل: الْفِدَاء" اﻫ من "تلقيح فهوم أهل الأثر" (ص: 526، ط1، 1418، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم - بيروت).
وقال الشيخ العثيمين رَحِمَهُ اللهُ:
"(صرف) يعني صرْف العذابِ عنه بدون مُقابل، و(لا عدل) أي بمقابل، يعني: لو طَلَبَ أن يُشفع له ويُرفع عنه العذاب؛ لا يُقبل، لو طلب أن يُسلِّمَ فداءً؛ لا يُقبل، نسأل الله العافية" اﻫ من "أشرطة شرح كتاب الحج من صحيح البخاري" للعلامة العثيمين (بداية الشريط 21).
([2]) أي نقض عهده، قال ابن الأثير: "خَفَرْت الرجُل: أجَرْته وحَفِظْته. وخَفَرْتُهُ إِذَا كُنْتَ لَهُ خَفِيراً، أَيْ حَامِيًا وكفِيلًا. وتَخَفَّرت بِهِ إِذَا اسْتَجَرت بِهِ. والْخُفَارَةُ- بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ-: الذِّمَامُ. وأَخْفَرْتُ الرَّجُلَ، إِذَا نقضتَ عَهْدَهُ وذِمامه. وَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلإزَالة: أَيْ أَزَلْتَ خِفَارَتَهُ، كأشْكَيته إِذَا أزلْتَ شِكَايَته، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ" اﻫ من "النهاية" (3/ 53).

شفاعة نبوية خاصة بمن يصبر على لأواء المدينة


الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام علىٰ خاتم رسل الله، وعلىٰ آله وصحبه ومَن والاه.
أمَّا بعد
قال الحافظ المنذري رَحِمَهُ اللهُ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي؛ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ شَهِيدًا»
رواه مسلم والترمذي وغيرهما.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي؛ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ شَهِيدًا»
رواه مسلم والترمذي وغيرهما.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ([1]) قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
«لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا؛ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا».
رواه مسلم.
(اللأْواء) مهموزًا ممدودًا: هي شِدَّةُ الضِّيق.
"صحيح الترغيب والترهيب" (11- كتاب الحج/ 15 - (الترغيب في سكنى المدينة إلى الممات، وما جاء في فضلها/ 2/ 50/ ح 1186 و1187 (صحيح)).

فائدة

قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ:
"وقوله: « إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ »: سئلنا قديمًا عن معنى هذا، وَلِمَ خَصَّص -عليه السلام- ساكنَ المدينة بهذا مِن شفاعته، ومع ما يثبت من ادِّخاره إيَّاها لجميع أمته؟ وهل «أَوْ» هنا للشك أو لغيره؟
ولنا على هذا جواب شافع مقنع في أوراق، اعترف بصوابه كلُّ مَن وقف عليه، نَذْكر منه هنا لمعنًى تليق بالموضع:
والأظهر أن «أَوْ» هنا ليست للشك، خلافَ مَن ذهب من شيوخنا إلى ذلك؛ إذ قد روى هذا الحديثَ جابرٌ، وأبو هريرة، وابنُ عمرو، وأبو سعيد، وسعدُ بن أبي وقاص، وأسماءُ بنت عميس، وصفيةُ بنت أبي عبيد، عنِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا اللفظ، وبعيدٌ اتفاقُ جميعِهم أو رواتِهم على الشكِّ ووقوعُه مِن جميعِهم وتطابُقُهم فيه على صيغةٍ واحدة، بل الأظهر أنه كذا قاله النبيُّ -عليه السلام-، فإمَّا أن يكون أعلم -عليه السلام- بهذه الجملة هكذا، أو تكون «أَوْ» للتقسيم، ويكون أهلُ المدينة صنفين:
w شهيدًا لبعضهم.
w وشفيعًا لآخرين.
إما شفيعًا للعاصين وشهيدًا للمطيعين.
أو شهيدًا لمن مات في حياته، وشفيعًا لمن مات بعده،
أو غير ذلك مما الله أعلم به، وهذه خاصية زائدة على الشفاعة للمذْنبين أو للعالمين في القيامة، وعلى شهادته على جميع الأمة، وقد قال -عليه السلام- في شهداء أحد: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ»، فيكون لتخصيصهم بهذا كله زيادةُ مَنزلةٍ وغِبطةٍ وحُظوةٍ.
وقد تكون «أَوْ» هنا هي التي بمعنى الواو، فيكون لأهل المدينة شهيدًا وشفيعًا، وقد روي: " إلا كنت له شهيدًا أو له شفيعاً ".
وإذا جعلناها للشك -كما ذهب إليه المشايخ-:
§ فإن كانت اللفظة الصحيحة (الشهادة)؛ اندفع الاعتراض؛ إذ هي زائدة على الشفاعة المدَّخَرة المجرَّدة لغيرهم.
§ وإن كانت اللفظة الصحيحة (الشفاعة)؛ فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع أمته؛ أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التي هي لِإخراج أمَّته مِن النار، ومعافاةِ بعضهم منها بشفاعته في القيامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بـ :
¦ زيادة الدرجات.
¦ أو تخفيف الحساب.
أو ما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواعٍ مِن الكرامة والمبرَّة؛ مِن:
¦ إيوائهم في ظلِّ عرش الرحمٰن.
¦ أو كونهم في روح وعلى منابرٍ.
¦ أو الإسراع بهم إلى الجنة.
أو غير ذلك مِن خصوص المبَرَّات الواردة لبعض دون بعض في الآخرة -والله أعلم" اﻫ من "إكمال المعْلم" (4/ 482 و483، ط 1، 1419ه، دار الوفاء).

وقال الدهلوي رَحِمَهُ اللهُ:
"أَقُول: سِرُّ هذا الفضل:
¦ أنَّ عمَارَة الْمَدِينة إعلاءٌ لشعائر الدِّين؛ فهذه فائدةٌ تَرجع إلى الْمِلَّة.
¦ وأنَّ حُضُورَ تلك المَوَاضِع والحلولَ في ذلك المسجد مُذَكِّرٌ لَهُ ما كان النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه؛ وهذه فائدةٌ تَرجع إلى نفْس هذا الْمُكَلف" اﻫ من "حجة الله البالغة" (2/ 103، ط 1، 1426ه، دار الجيل).

الأحد 12 صفر 1440ه



([1]) ولتحديثه قصَّة: قال الإمام مسلم (1374): وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، مَوْلَى الْمَهْرِيِّ، أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِي الْحَرَّةِ، فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ؛ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا، فَيَمُوتَ، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا».

مِن فضائل الصلاة في بيت المقدس


الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام علىٰ خاتم رسل الله، وعلىٰ آله وصحبه ومَن والاه.
أمَّا بعد
قال الحافظ المنذري رَحِمَهُ اللهُ:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا:
1] أَنْ يُعْطِيَهُ(1) حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ(2).
2] وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ.
3] وَأَنَّه لَا يَأْتِي هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ؛ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ».
رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، واللفظ له، وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم أطول من هذا، وقال:
"صحيح على شرطهما، ولا علة له".
__________
[تعليق الوالد رَحِمَهُ اللهُ]:
(1) ليس عند ابن ماجه -واللفظ له كما سيذكر المؤلف- قوله: "أن يُعْطِيَهُ"، ولا هو في شيء من المصادر الآتية، ولا في غيرها كالحاكم مثلًا (1/ 30 و2/ 434)، ومع ذلك زعم المعلقون الثلاثة أنها في مصادر التخريج، وليست فيها!
(2) أي: يُوَافِقُ حُكْمَ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ التَّوْفِيقُ لِلصَّوَابِ فِي الِاجْتِهَادِ وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ بَيْنَ النَّاسِ. وقوله: «وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي» أَيْ: لَا يَكُونُ. وَلَعَلَّ مُرَادَهُ -وَاللهُ أَعْلَمُ- لَا يَكُونُ لِعِظَمِهِ مُعْجِزَةً لَهُ، فَيَكُونَ سَبَبًا لِلْإِيمَانِ وَالْهِدَايَةِ، وَلِكَوْنِهِ مَلِكًا أَرَادَ أَنْ تَكُونَ مُعْجِزَتُهُ مَا يُنَاسِبُ حَالَهُ([1]).
"صحيح الترغيب والترهيب" (11- كتاب الحج/ 14- الترغيب في الصلاة في المسجد الحرام ومسجد المدينة، وبيت المقدس وقباء/ 2/ 46/ ح 1178 (صحيح)).


التوفيق للصوابِ مِن النعم العظيمة، ولعل دعاءَ استفتاحِ قيامِ الليل الذي تعلَّمناه مِن نبيِّنا محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ وَسَلَّمَ هو بمعنى دعاءِ سليمان عَلَيْهِ السَّلَامُ، روى الإمام مسلم (770) بإسناده عن أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ:
كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: «اللَّهُمَّ! رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ! فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ! عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ! أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ؛ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
وعمومُ سؤالِ الهدايةِ منه كذلك. والله أعلم.
الخميس 19 ذي الحجة 1439ه


([1]) من "حاشية السندي على سنن ابن ماجه" ضمن "شروح سنن ابن ماجه" (1/ 567، ط بيت الأفكار).

خاتَمُ مساجدِ الأنبياء


الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام علىٰ خاتم رسل الله، وعلىٰ آله وصحبه ومَن والاه.
أمَّا بعد
قال الحافظ المنذري رَحِمَهُ اللهُ:
روى البزارُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: 
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«أَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَسْجِدِي خَاتَمُ مَسَاجِدِ الْأَنْبِيَاءِ.
أَحَقُّ الْمَسَاجِدِ أَنْ يُزَارَ وَتُشَدَّ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدِي.
صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».

"صحيح الترغيب والترهيب" (11- كتاب الحج/ 14- الترغيب في الصلاة في المسجد الحرام ومسجد المدينة/ 2/ 40/ ح 1175 (صحيح لغيره)).

الأحد 8 ذي الحجة 1439 ه