تابع / التوحيد أولاً يا دعاة الإسلام

[**وجوب الاهتمام بالعقيدة لا يعنى إهمال باقي الشرع من عبادات وسلوك ومعاملات وأخلاق ]
وأعيد التنبيه بأنني لا أعنى الكلام في بيان الأهم فالمهم وما دونه على أن يقتصر الدعاة فقط على الدعوة إلى هذه الكلمة الطيبة وفهم معناها، بعد أن أتم الله عز وجل علينا النعمة بإكماله لدينه!
بل لا بد لهؤلاء الدعاة أن يحملوا الإسلام كُلاً لا يتجزأ ، وأنا حين أقول هذا بعد ذلك البيان الذي خلاصته : أن يهتم الدعاة الإسلاميون حقاً بأهم ما جاء به الإسلام ، وهو تفهيم المسلمين العقيدة الصحيحة النابعة من الكلمة الطيبة "لا إله إلا الله "، أريد أن أسترعي النظر إلى هذا البيان لا يعني أن يفهم المسلم فقط أن معنى : "لا إله إلا الله"، هو لا معبود بحق في الوجود إلا الله فقط ! بل هذا يستلزم أيضاً أن يفهم العبادات التي ينبغي أن يُعبد ربنا عز وجل بها ، ولا يوجَّه شيءٌ منها لعبدٍ مِن عباد الله تبارك وتعالى ، فهذا التفصيل لا بد أن يقترن بيانه أيضاً بذلك المعنى الموجز للكلمة الطيبة ، ويحسن أن أضرب مثلاً أو أكثر مِن مثل حسبما يبدو لي؛ لأن البيان الإجمالي لا يكفي.
أقول : إن كثيراً من المسلمين الموحدين حقاً والذين لا يوجهون عبادةً مِن العبادات إلى غير الله عز وجل؛ ذهنهم خالٍ مِن كثير مِن الأفكار والعقائد الصحيحة التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة ، فكثير من هؤلاء الموحدين يمرون على كثير من الآيات وبعض الأحاديث التي تتضمن عقيدةً؛ وهم غير منتبهين إلى ما تضمنته ، مع أنها من تمام الإيمان بالله عز وجل.
خذوا مثلاً عقيدة الإيمان بعلو الله عز وجل ، على ما خلقه ، أنا أعرف بالتجربة أن كثيراً مِن إخواننا الموحدين السلفيين يعتقدون معنا بأن الله عز وجل على العرش استوى، دون تأويل ، ودون تكييف ، ولكنهم حين يأتيهم معتزليّ عصريّ ، أو جهميّ عصريّ ، أو ماتريدي، أو أشعري، ويُلقي إليه شبهةً قائمة على ظاهر آيةٍ لا يَفهم معناها الموسوِس ولا الموسوَس إليه ، فيحار في عقيدته ، ويضل عنها بعيداً ، لماذا؟ لأنه لم يتلقَّ العقيدةَ الصحيحة مِن كلِّ الجوانب التي تعرض لبيانها كتابُ ربِّنا عز وجل وحديثُ نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فحينما يقول المعتزلي المعاصر : اللهُ - عز وجل - يقول : {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ....} (الملك: الآيتان 15-16). و أنتم تقولون : إن الله في السماء ، وهذا معناه أنكم جعلتم معبودكم في ظرف هو السماء المخلوقة!! فإنه يلقى شبهة على مَن أمامه .

ص22 – 25 ويتبع إن شاء الله

تابع 2 / التوحيد أولاً يا دعاة الإسلام

تابع / التوحيد أولاً يا دعاة الإسلام
** [غالب المسلمين اليوم لا يفقهون معنى لا إله إلا الله فهماً جيداً ]:
أما غالب المسلمين اليوم الذين يشهدون بأن " لا إله إلا الله " فهم لا يفقهون معناها جيداً ، بل لعلهم يفهمون معناها فهماً معكوساً ومقلوباً تماماً ؛ أضرب لذلك مثلاً : بعضهم ألف رسالة في معنى " لا إله إلا الله " ففسرها : لا رب إلا الله!!
وهذا المعنى هو الذي كان المشركون يؤمنون به وكانوا عليه ، ومع ذلك لم ينفعهم إيمانهم هذا ، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه} (لقمان: من الآية25).
فالمشركون كانوا يؤمنون بأن لهذا الكون خالقاً لا شريك له ، ولكنهم كانوا يجعلون مع الله أنداداً وشركاء في عبادته ، فهم يؤمنون بأن الرب واحد ولكن يعتقدون بأن المعبودات كثيرة ، ولذلك رد الله تعالى - هذا الاعتقاد - الذي سمّاه عبادة لغيره من دونه، بقوله تعالى : {....وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى....} (الزمر: من الآية3).
لقد كان المشركون يعلمون أن قول : " لا إله إلا الله " يلزم له التبرؤ من عبادة ما دون الله عز وجل ، أما غالب المسلمين اليوم ؛ فقد فسروا هذه الكلمة الطيبة " لا إله إلا الله " بـ : " لا رب إلا الله !! " فإذا قال المسلم : "لا إله إلا الله" ، وعبد مع الله غيره؛ فهو والمشركون سواء - عقيدة - وإن كان ظاهره الإسلام ؛ لأنه يقول لفظة : "لا إله إلا الله" فهو بهذه العبارة مسلم ظاهراً ، وهذا مما يوجب علينا جميعاً - بصفتنا دعاة إلى الإسلام- الدعوة إلى التوحيد وإقامة الحجة على مَن جهل معنى" لا إله إلا الله " وهو واقع في خلافها ؛ بخلاف المشرك ؛ لأنه يأبى أن يقول : " لا إله إلا الله " فهو ليس مسلماً لا ظاهراً ولا باطناً.
فأما جماهير المسلمين اليوم هم مسلمون؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى)
[1].
لذلك ؛ فإني أقول كلمة - وهي نادرة الصدور مني - ، وهي : إن واقع كثير من المسلمين اليوم شرٌّ مما كان عليه عامةُ العرب في الجاهلية الأولى مِن حيث سوء الفهم لمعنى هذه الكلمة الطيبة ؛ لأن المشركين العرب كانوا يفهمون ، ولكنهم لا يؤمنون ، أما غالب المسلمين اليوم ، فإنهم يقولون ما لا يعتقدون ، يقولون : "لا إله إلا الله" ، ولا يؤمنون -حقاً - بمعناها .
لذلك فأنا أعتقد أن أول واجب على الدعاة المسلمين حقاً هو أن يدندنوا حول هذه الكلمة، وحول بيان معناها بتلخيصٍ ، ثم بتفصيل لوازم هذه الكلمة الطيبة؛ بالإخلاص لله عز وجل في العبادات بكل أنواعها ؛ لأن الله عز وجل لما حكى عن المشركين قولهم : {... مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى... } (الزمر: من الآية3)، جعل كل عبادة توجه لغير الله كفراً بالكلمة الطيبة : "لا إله إلا الله".
لهذا ؛ أنا أقول اليوم : لا فائدة مطلقاً مِن تكتيل المسلمين ومِن تجميعهم ، ثم تركهم في ضلالهم دون فهم هذه الكلمة الطيبة ، وهذا لا يفيدهم في الدنيا قبل الآخرة !
نحن نعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم : (مَن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً مِن قلبه؛ حرم الله بدنه على النار " وفي رواية أخري :" دخل الجنة "
[2] . فيمكن ضمان دخول الجنة لمن قالها مخلصاً، حتى لو كان بعد لأيٍ وعذابٍ يمسُّ القائلَ ، والمعتقد الاعتقاد الصحيح لهذه الكلمة ، فإنه قد يعذب بناءً على ما ارتكب واجترح مِن المعاصي والآثام ، ولكن سيكون مصيره في النهاية دخول الجنة .
وعلى العكس من ذلك ؛ من قال هذه الكلمة الطيبة بلسانه ، ولَمّا يدخل الإيمان قلبه ؛ فذلك لا يفيده شيئاً في الآخرة ، قد يفيده في الدنيا النجاة من القتال ومن القتل إذا كان للمسلمين قوة وسلطان ، وأما في الآخرة فلا يفيده شيئاً إلا إذا كان قائلاً لها وهو فاهم معناها أولاً ، ومعتقداً لهذا المعنى ثانياً ؛ لأن الفهم وحده لا يكفي إلا إذا اقترن مع الفهم الإيمان بهذا المفهوم ، وهذه النقطة ؛ أظن أن أكثر الناس عنها غافلون ! وهي : لا يلزم مِن الفهم الإيمان، بل لا بد أن يقترن كلٌّ مِن الأمرين مع الآخر حتى يكون مؤمناً ، ذلك لأن كثيراً مِن أهل الكتاب مِن اليهود والنصارى كانوا يعرفون أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم رسولٌ صادقٌ فيما يدعيه من الرسالة والنبوة ، ولكن مع هذه المعرفة التي شهد لهم بها ربُّنا عز وجل حين قال: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} (البقرة: من الآية 146)، ومع ذلك هذه المعرفة ما أغنت عنهم مِن الله شيئاً، لماذا ؟ لأنهم لم يصدقوه فيما يدعيه مِن النبوة والرسالة ، ولذلك فإنّ الإيمان تسبقه المعرفة ولا تكفي وحدها ، بل لا بد أن يقترن مع المعرفة الإيمان والإذعان ، لأن المولى عز وجل يقول في محكم التنزيل : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} (محمد: من الآية19).
وعلى هذا ، فإذا قال المسلم : "لا إله إلا الله" بلسانه ؛ فعليه أن يضم إلى ذلك معرفة هذه الكلمة بإيجاز ثم بالتفصيل ، فإذا عرف وصدَّق وآمن ؛ فهو الذي يصدُق عليه تلك الأحاديث التي ذكرتُ بعضَها آنفاً ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى شيءٍ مِن التفصيل الذي ذكرته آنفاً : (مَن قال : لا إله إلا الله ؛ نفعته يوماً مِن دهره)
[3]. أي كانت هذه الكلمة الطيبة بعد معرفة معناها منجية له مِن الخلود في النار ، وهذا أكرره لكي يرسخ في الأذهان ، وقد لا يكون قد قام بمقتضاها مِن كمال العمل الصالح، والانتهاء عن المعاصي، ولكنه سلم مِن الشرك الأكبر، وقام بما يقتضيه ويستلزمه شروط الإيمان؛ مِن الأعمال القلبية - والظاهرية حسب اجتهاد بعض أهل العلم، وفيه تفصيل ليس هذا محل بسطه - وهو تحت المشيئة ، وقد يدخل النار جزاء ما ارتكب أو فعل مِن المعاصي أو أخلَّ ببعضِ الواجبات ، ثم تنجيه هذه الكلمة الطيبة، أو يعفو الله عنه بفضل منه وكرمه ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم المتقدِّم ذكره : (مَن قال : لا إله إلا الله ؛ نفعته يوماً مِن دهره)، أما مَن قالها بلسانه ولم يفقه معناها ، أو فقه معناها ولكنه لم يؤمن بهذا المعنى؛ فهذا لا ينفعه قولُه : "لا إله إلا الله"، إلا في العاجلة إذا كان يعيش في ظل الحكم الإسلامي وليس في الآجلة .
لذلك لا بد مِن التركيز على الدعوة إلى التوحيد في كل مجتمع أو تكتل إسلامي يسعى- حقيقة وحثيثاً - إلى ما تدندن به كل الجماعات الإسلامية أو جلّها ، وهو تحقيق المجتمع الإسلامي، وإقامة الدولة المسلمة التي تحكم بما أنزل الله على أي أرض لا تحكم بما أنزل الله.
هذه الجماعات أو هذه الطوائف لا يمكنها أن تحقق هذه الغاية التي أجمعوا على تحقيقها وعلى السعي حثيثاً إلى جعلها حقيقة واقعية إلا بالبدء بما بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم.
_______________________________
[1] - البخاري (25) ، ومسلم (22) عن حديث ابن عمر رضي الله عنهما .
[2] - حديث صحيح ، وهو مخرّج في "الصحيحة" (3355)
[3] - حديث صحيح، وهو مخرج في "الصحيحة" (1932)
ص 14 - 22 ، ويتبع إن شاء الله

التوحيد أولاً يا دعاة الإسلام - كتيب للوالد رحمه الله

(كتيّبٌ أُودعتْ فيه إحدى فتاوى الوالد رحمه الله، وسأنقله على أجزاء إن شاء الله) :

التوحيد أولاً
يا دعاة الإسلام
من فتاوى محدّث العصر
محمد ناصر الدين الألباني
رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا .
من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102) {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}(النساء:1) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} (الأحزاب:70-71) .
وبعدُ : فهذه واحدة من فتاوى العلامة محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - نفردها اليوم بالطبع لأهميتها، ولحاجة الناس إليها.


سؤال : فضيلة الشيخ لا شك أنكم تعلمون بأن واقع الأمة الديني واقع مرير من حيث الجهل بالعقيدة ، ومسائل الاعتقاد ، ومن حيث الافتراق في المناهج وإهمال نشر الدعوة الإسلامية في أكثر بقاع الأرض طبقاً للعقيدة الأولى والمنهج الأول الذي صلحت به الأمة ، وهذا الواقع الأليم لا شك بأنه قد ولد غيرة عند المخلصين ورغبة في تغييره وإصلاح الخلل ، إلا أنهم اختلفوا في طريقتهم في إصلاح هذا الواقع ؛ لاختلاف مشاربهم العقدية والمنهجية - كما تعلم ذلك فضيلتكم - من خلال تعدد الحركات والجماعات الإسلامية الحزبية والتي ادعت إصلاح الأمة الإسلامية عشرات السنين ، ومع ذلك لم يكتب لها النجاح والفلاح ، بل تسببت تلك الحركات للأمة في إحداث الفتن ونزول النكبات والمصائب العظيمة ، بسبب مناهجها وعقائدها المخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به ؛ مما ترك الأثر الكبير في الحيرة عند المسلمين - وخصوصاً الشباب منهم - في كيفية معالجة هذا الواقع ، وقد يشعر الداعية المسلم المتمسك بمنهاج النبوة المتبع لسبيل المؤمنين ، المتمثل في فهم الصحابة والتابعين لهم بإحسان من علماء الإسلام ؛ قد يشعر بأنه حمل أمانة عظيمة تجاه هذا الواقع وإصلاحه أو المشاركة في علاجه .
· فما هي نصيحتكم لأتباع تلك الحركات أو الجماعات ؟
· وما هي الطرق النافعة الناجعة في معالجة هذا الواقع ؟
· وكيف تبرأ ذمة المسلم عند الله عز وجل يوم القيامة ؟

الجواب:
[يجب العنايةُ والاهتمامُ بالتوحيد أولاً، كما هو منهج الأنبياء والرسل عليهم السلام ]

بالإضافة لما ورد في السؤال - السابق ذكره آنفاً - من سوء واقع المسلمين ، نقول : إن هذا الواقع الأليم ليس شراً مما كان عليه واقع العرب في الجاهلية، حينما بعث إليهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لوجود الرسالة بيننا ، وكمالها ، ووجود الطائفة الظاهرة على الحق ، والتي تهدي به ، وتدعو الناس للإسلام الصحيح ؛ عقيدة ، وعبادة ، وسلوكاً ، ومنهجاً .

ولا شك بأن واقع أولئك العرب في عصر الجاهلية مماثل لما عليه كثير من طوائف المسلمين اليوم !.
بناء على ذلك نقول : العلاج هو ذاك العلاج، والدواء هو ذاك الدواء ، فبمثل ما عالج النبي صلى الله عليه وسلم تلك الجاهلية الأولى ، فعلى الدعاة الإسلاميين اليوم - جميعهم - أن يعالجوا سوء الفهم لمعنى " لا إله إلا الله " ، ويعالجوا واقعهم الأليم بذاك العلاج والدواء نفسه
. ومعنى هذا واضح جداً إذا تدبرنا قول الله عز وجل: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21) .
فرسولنا صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة في معالجة مشاكل المسلمين في عالمنا المعاصر وفي كل وقت وحين ، ويقتضي ذلك منا أن نبدأ بما بدأ به نبينا صلى الله عليه وسلم وهو إصلاح ما فسد من عقائد المسلمين أولاً ، ومن عبادتهم ثانياً ، ومن سلوكهم ثالثاً .

ولست أعني من هذا الترتيب فصل الأمر الأول بدءاً بالأهم ثم المهم ثم ما دونه ! وإنما أريد أن يهتم بذلك المسلمون اهتماما شديداً كبيراً ، وأعني بالمسلمين بطبيعة الأمر الدعاة ، ولعل الأصح أن نقول : العلماء منهم؛ لأن الدعاة اليوم - مع الأسف الشديد - يدخل فيهم كل مسلم ولو كان على فقر مدقع من العلم ، فصاروا يعدّون أنفسهم دعاة إلى الإسلام .

وإذا تذكرنا تلك القاعدة المعروفة - لا أقول : عند العلماء فقط بل عند العقلاء جميعاً - تلك القاعدة التي تقول : "فاقد الشيء لا يعطيه " ؛ فإننا نعلم اليوم بأن هناك طائفة كبيرة جداً يعدون بالملايين من المسلمين تنصرف الأنظار إليهم حين يطلق لفظة : الدعاة ؛ وأعني بهم : جماعة الدعوة ، أو : جماعة التبليغ ، ومع ذلك فأكثرهم كما قال الله عز وجل : { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (لأعراف: من الآية187) .
ومعلوم من طريقة دعوتهم أنهم قد أعرضوا بالكلية عن الاهتمام بالأصل الأول، أو بالأمر الأهم ، من الأمور التي ذكرتُ آنفاً ، وأعني : العقيدة والعبادة والسلوك ، وأعرضوا عن الإصلاح الذي بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم بل بدأ به كل الأنبياء ، وقد بينه الله تعالى بقوله : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } (النحل: من الآية36) . فهم لا يعنون بهذا الأصل الأصيل والركن الأول من أركان الإسلام - كما هو معلوم لدى المسلمين جميعاً -، هذا الأصل الذي قام يدعو إليه أول رسول من الرسل الكرام، ألا وهو نوح صلى الله عليه وسلم قرابة ألف سنة ، والجميع يعلم أن الشرائع السابقة لم يكن فيها من التفصيل لأحكام العبادات والمعاملات ما هو معروف في ديننا هذا؛ لأنه الدين الخاتم للشرائع والأديان ، ومع ذلك؛ فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يصرف وقته وجل اهتمامه للدعوة إلى التوحيد ، ومع ذلك أعرض قومه عن دعوته كما بين الله عز وجل ذلك في محكم التنزيل: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } (نوح:23) .
فهذا يدل دلالة قاطعة على أن أهم شيء ينبغي على الدعاة إلى الإسلام الحق الاهتمام به دائماً هو الدعوة إلى التوحيد، وهو معنى قوله تبارك وتعالى : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ } (محمد: من الآية19) .

هكذا كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم عملاً وتعليماً .
أما فعله : فلا يحتاج إلى بحث ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي إنما كان فعله ودعوته محصورة في الغالب في دعوة قومه إلى عبادة الله لا شريك له .

أما تعليماً : ففي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الوارد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له : (ليكن أول ما تدعوهم إليه : شهادة أن لا إله إلا الله ، فإن هم أطاعوك لذلك .....) الحديث[1] .
فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يبدأوا بما بدأ به، وهو الدعوة إلى التوحيد ، ولا شك أن هناك فرقاً كبيراً جداً بين أولئك العرب المشركين ؛ من حيث إنهم كانوا يفهمون ما يقال لهم بلغتهم ، وبين أغلب العرب المسلمين اليوم الذين ليسوا بحاجة أن يدعوا إلى أن يقولوا : لا إله إلا الله ؛ لأنهم قائلون بها على اختلاف مذاهبهم وطرائقهم وعقائدهم ، فكلهم يقولون : لا إله إلا الله ، لكنهم في الواقع بحاجة أن يفهموا معنى هذه الكلمة الطيبة ، وهذا الفرق فرق جوهري بين العرب الأولين الذين كانوا إذا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا : لا إله إلا الله؛ يستكبرون ، كما هو مبين في صريح القرآن العظيم ، لماذا يستكبرون ؟ لأنهم يفهمون أن معنى هذه الكلمة أن لا يتخذوا مع الله أنداداً وألا يعبدوا إلا الله ، وهم كانوا يعبدون غيرَه ، فهم ينادون غير الله، ويستغيثون بغير الله ؛ فضلاً عن النذر لغير الله ، والتوسل بغير الله ، والذبح لغيره، والتحاكم لسواه ....إلخ.
هذه الوسائل الشركية الوثنية المعروفة التي كانوا يفعلونها ، ومع ذلك كانوا يعلمون أن من لوازم هذه الكلمة الطيبة " لا إله إلا الله " مِن حيث اللغة العربية أن يتبرؤوا مِن كل هذه الأمور ؛ لمنافاتها لمعنى " لا إله إلا الله ".

_____________
[1] - رواه البخاري (1395)، ومسلم (19) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

انتهى من ص 3 – 13 . ويتبع إن شاء الله

بداية كتابات الصوفية وموقف السلف منها

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله
قال فضيلة الشيخ ربيع المدخلي - حفظه الله - في كتابه "كشف زيف التصوف" ص15 – 17 :

"بداية كتابات الصوفية -فيما أعلم- هي كتابات الحارث بن أسد المحاسبي أحد تلاميذ يزيد بن هارون الذي يُعدُّ في أتباع التابعين آخر القرون المفضلة، وكان الحارث من المعاصرين للإمام أحمد وإخوانه من أئمة الحديث والسنة.
ألَّف الحارث كتبًا للصوفية فأنكرها أهل السُّنة ومنهم الإمام الحافظ أبو زُرعة. قال الحافظ الذهبي :
(قال الحافظ سعيد بن عمرو البرذعي:
شهدت أبا زرعة وقد سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه فقال للسائل :
"إياكَ وهذه الكُتُب، هذه كُتُبُ بِدعٍ وضلالاتٍ، عليك بالأثَرِ؛ فإنكَ تجِد فيه ما يُغْنِيك"
قيل له: في هذه الكتب عِبْرة، فقال:
"مَن لم يكن له في كتابِ الله عِبْرة؛ فليس له في هذه الكتب عِبْرة، بَلَغَكُم أنّ سفيان ومالِكًا والأوزاعيَّ صنّفوا هذه الكُتُبَ في الخطرات والوساوس؟! ما أَسْرَعَ الناس إلى البدع!"
[1]
مات الحارث سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وأين مثل الحارث؟ فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيفَ المتأخرين كـ (القوت) لأبي طالب؟! وأين مثل القوت؟! كيف لو رأى بهجة الأسرار لابن جهضم , وحقائق التفسير للسلمي؟!؛ لطار لبُّه، كيف لو رأى تصانيف أبي حامد الطوسي في ذلك على كثرة ما في "الإحياء" من الموضوعات؟! كيف لو رأى "الغنية" للشيخ عبد القادر؟! كيف لو رأى "فصوص الحكم" و"الفتوحات المكية"؟! بلى، لما كان الحارث لسان القوم في ذاك العصر كان مُعاصره ألف إمام في الحديث فيهم مثل أحمد بن حنبل وابن راهويه، ولما صار أئمة الحديث مثل ابن الدخميسي وابن شحانة كان قطب العارفين كصاحب "الفصوص" وابن سفيان
[2]، نسأل الله العفو والمسامحة. آمين) "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" (2/166) .
وقال ابن الجوزي: "وبالإسناد إلى أبي يعقوب إسحاق بن حية قال: "قال: سمعت أحمد بن حنبل وقد سئل عن الوساوس والخطرات فقال :
"ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون"
وقد روينا في أول كتابنا هذا عن ذي النون نحو هذا.
وروينا عن أحمد بن حنبل أنه سمع كلام الحارث المحاسبي ، فقال لصاحب له:
"لا أرى لك أن تجالسهم"
وقال ابن الجوزي: وقد ذكر الخلال في كتاب "السُّنة" عن أحمد بن حنبل أنه قال :
"حَذِّروا مِن الحارث أشدَّ التحذير , الحارث أصلُ البليّة -يعني في حوادث كلام جهم- ، ذاك جالَسَهُ فلانٌ وفلانٌ وأَخْرَجهم إلى رأيِ جهم ما زال مأوى أصحاب الكلام، حارث بمنزلة الأسد المرابط، ينظُرُ أيَّ يومٍ يَثِبُ على الناس". تلبيس إبليس (ص151) .
ثم نقل ما ذكره الذهبيُّ عن أبي زرعة قوله عن كُتُب الحارث: "إنها كتب بدع وضلالات .. إلخ " , تلبيس إبليس ( ص/150) .
فهذا هو موقف أئمة الإسلام الناصحين من التصوف وأهله: إدانة لمؤلفاتهم وتحذير من ضلالاتهم وشطحاتهم". ا.هـ

_________________
[1] - رواه البرذعي في "سؤالاته لأبي زرعة" (2/ 561 – 562 ط الجامعة الإسلامية) ، والخطيب في "تاريخه" (8/215) [المعتني].
[2] - كذا والصواب ابن سبعين.

طامع في المغفرة غير حاتم بها

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد..
فقد ذكر لنا سبحانه وتعالى مِن نبأ إمام الحنفاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه كان مما قاله لأبيه وقومه:
{قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)} سورة الشعراء
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
" فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ إلَى:
· جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ لِقَلْبِهِ وَجِسْمِهِ
· وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ عَنْ ذَلِكَ .
وَهُوَ أَمْرُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا .
§ فَمَنْفَعَةُ الدِّينِ: الْهُدَى ؛
§ وَمَضَرَّتُهُ: الذُّنُوبُ، وَدَفْعُ الْمَضَرَّةِ: الْمَغْفِرَةُ .
وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ .
§ وَمَنْفَعَةُ الْجَسَدِ: الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ
§ وَمَضَرَّتُهُ: الْمَرَضُ، وَدَفْعُ الْمَضَرَّةِ: الشِّفَاءُ".
ا.هـ "مجموع الفتاوى" (16/ 206).

وقال الحافظ القصاب رحمه الله:
"قوله: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} فيه تخويفٌ للمؤمنين شديد أن يعملوا ولا يتّكلوا، إذ كان خليلُه – صلى الله عليه وسلم – طامعًا في غفران خطيئته غير حاتِمٍ بها على ربِّه؛ فمَن بَعْدَه مِن المؤمنين أحْرى أن يكون أشدَّ خوفًا مِن خطاياهم". ا.هـ "نكت القرآن" (3/ 529).

حكم التزاور في العيد

بسم الله الرحمٰن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام علىٰ خاتم رسل الله.

أما بعد..

سئل أبي رَحِمَهُ اللهُ:

سمعنا أنّ زيارةَ الناسِ بعضهم بعضًا يومَ العيد بدعةٌ، فالرجاء بيان الحكم فيما سَبَقَ مما يتعلّق بزيارةِ الإخوان وما يقوم به الناسُ في الأعياد؟
فأجاب:

نحن قلنا مرارًا وتكرارًا، ولسنا الآن بحاجة إلىٰ تفصيل ما تَكرَّر، فنقول بإيجاز:

زيارةُ الأحياءِ للأمواتِ يومَ العيد مِن مُحْدَثاتِ الأمور؛ لأنه يَعني تقييدَ ما أطلقه الشارعُ، الشارع الحكيم قال في الحديث الصحيح([1]):

«كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، [أَلَا] فَزُورُوهَا؛ [فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمِ الآخِرَةَ]».
فقوله: «أَلَا فَزُورُوهَا» أمرٌ عامّ، لا يجوز تقييدُه بزمنٍ أو بمكانٍ خاصّ؛ لأن تقييدَ النصِّ أو إطلاقَه ليس مِن وظيفةِ الناس، وإنما هو مِن وظيفةِ ربِّ العالمين الذي كَلَّف رسولَه الكريم، فقال له:

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].

فما كان مِن نصٍّ مُطلَقٍ وهو مُقيَّد؛ بيَّنه، وما كان من نص عام وهو مخصَّص؛ خَصَّصه، وما لا؛ فلا، فحينما قال: «أَلَا فَزُورُوهَا» مطلقًا في كلِّ أيامِ السَّنَة، لا فَرْقَ بين يومٍ ويوم، ولا فَرْقَ بين زمَنٍ في يومٍ واحدٍ؛ صباحًا أو مساء، أو ظهرًا، نهارًا أو ليلاً.. إلىٰ آخره.

كذلك نقول: كما أنَّ زيارة الأحياء للأموات يومَ العيدِ خَصّ؛ كذلك زيارة الأحياء للأحياء يوم العيد خَصّ، كزيارةِ الأحياءِ للأموات.
الزيارةُ المشروعة يومَ العيد: هو ما أُلْغِيَ -مع الأسف الشديد- بسببِ تهافُتِ الناسِ علىٰ إقامةِ صلاةِ العيد في المساجد التي يَتفَرَّقون فيها، والواجبُ عليهم جميعًا أن يجتمعوا في المصلَّىٰ، المصلَّىٰ هو خارج البلد، يَتَّسِع لكلِّ أهلِ البلد، وهناك يلتقون، ويُصلُّون صلاةَ العيد، ويتعارفون بطبيعة الحال، عُطِّلتْ هٰذه السُّنّة التي واظَبَ عليها النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ طيلةَ حياته.
وهنا ملاحظة مهمَّة جدًا يجب أن ننتبَّهَ لها، فإننا نَعْلم جميعًا قولَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ:

«صلاةٌ في مسجدي هٰذا بألفِ صلاة مما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام»([2]).
فمع أنَّ الصلاةَ في مسجِدِه بألف صلاة؛ ما كان يُصلي صلاةَ عيدِ الفطر وعيدِ الأضحىٰ إلا خارجَ هٰذا المسجد، وهو في المصلَّىٰ.

لماذا؟

لأنه يريد أن يَجْمَعَ المسلمين في المدينةِ مِن كلِّ مكانٍ مِنَ القُرى التي حولها في مكان واحد يتَّسِع لهم جميعًا.

هٰذه المصليات مع الزمن ومع ابتعادِ الناس عن:

· أولاً: التعرف علىٰ سُنَّة الرسولِ عليه السَّلام.

· وابتعادهم عما بقي عندهم مِن العلم بسُنَّةِ الرسول عليه السَّلام.

· ابتعادهم عن تطبيقها وعن العمل بها.

قنعوا بأن يقيموا صلاةَ العيد في المساجد، كما يَفعلون بصلاةِ الجمعة والصلواتِ الخمس.

أما السُّنّة؛ فاستمرَّ الرسولُ عليه السَّلامُ طيلةَ حياته ما صَلَّىٰ صلاةَ العيد في المسجد ولو مَرَّةً واحدة، وإنما دائمًا يصليها في المصلَّىٰ.

الآن منذ بضع سنين بدأ بعضُ المسلمين في مِثلِ هٰذه البلاد يَفيئون إلىٰ هٰذه السُّنّة؛ سُنَّةِ صلاةِ العيد في المصلَّىٰ.

ولا بد أنكم تَسمعون الآن بأنّ هناك مصلَّيات عديدة يُصلِّي فيها الناسُ بدل أن يصلُّوا صلاة العيد في المساجد.

ولٰكن بقي عليهم شيء واحد، ولعل هٰذه الظاهرة التي أشرتُ إليها مِن خروج الناس مِن المساجد في صلاة العيد إلى المصليات، لعل هٰذه الظاهرة بِشارةٌ إلىٰ أنه سيأتي يومٌ يجتمع المسلمون في مكانٍ واحد، في البلد الواحد، في مصلًّى واحد، كما يفعل المسلمون مِن جميع أقطارِ الدنيا يجتمعون في بلدة واحدة، وهي مكة وما حواليها مِن مِنى ومزدلفة وعرفة ونحو ذلك، ليس لهم بديل عنها، مع أنهم يُعَدُّون بالملايين.

ومهما كثُر الناسُ في البلدة الواحدة؛ فلن يَعجَزوا أبدًا أن يَجتمعوا في أرضٍ في مُصلًّى واحد، لعل خروجَهم الآن مِن المساجد إلى المصليات هو بشيرُ خيرٍ إلىٰ أنهم فيما بَعْدُ إن شاء الله حينما يَفهمون حقيقةَ معنىٰ قولِه عليه السَّلام: « يَدُ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ»([3])، وأنها هي الجماعة التي جمعهم الرسول عليه السَّلام بوسائله المشروعة، مِن تلك الوسائل: المصلَّى الواحد، وليس المساجد، بل ولا المصلَّيات العديدة في البلدة الواحدة.

فإذًا؛ الزيارة هٰذه أو تلك؛ هي مخالِفة للسُّنّة.

الزيارة تكون مشروعة يومَ العيد هو: أن يفِد الناس بجماهيرهم المتكاثِرة إلىٰ صلاة العيد في المصلَّىٰ، ولا شك أنّ الناس هناك سيتزاورون وسيتعارفون أكثرَ مِن هٰذه الزيارة التقليدية؛ لأنه حينما يزورُ بعضُهم بعضًا في العيد في الغالب يَزور بعضُهم مَن يعرفونَ، لٰكن ما أُتيحَتْ لهم الزيارة في أثناء السَّنَةِ، فخصَّصوا هذه الزيارة في يوم العيد، لذٰلك قلنا: زيارةُ الأحياء للأموات ليس مِنَ السُّنِّة في شيء، بل هو مِنَ البدع، وكذٰلك زيارةِ الأحياء للأحياء.
وما معنىٰ هٰذا؟

يجب أن تكون الزيارة سواءً مِن الأحياء للأموات ليست في السَّنَة مَرةً، وكذٰلك زيارة الأحياء للأحياء؛ ليست في السَّنة مَرة، وإنما يجب أن يستمر؛ لأنه في هٰذه الزيارة -زيارة الأحياء للأحياء- تحقيقَ المودة والتعارُف بين المسلمين، كما قال ربُّ العالمين:

{إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13].

أما زيارةُ الأحياء للأموات فيجب –أيضًا- أن تستمرّ؛ لتحقيق الغاية التي مِن أجلها أَمَرَ الرسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بزيارة القبور بعد أن كان نَهىٰ عنها، ألا وهي قوله عليه السَّلام: «أَلَا فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمِ الآخِرَةَ».

"سلسلة الهدى والنور" الشريط 527 ، الدقيقة ( 00:50:09 )
الرابط الصوتي:


dfdf

وسئل رَحِمَهُ اللهُ حولَ قضية الزيارات يومَ العيد كما يفعل كثيرٌ مِن الناسِ وتخصيصها، فالبعضُ امتنع عن الزيارة بحجة أن هٰذا شيء لم يرد في السُّنّة أو كذا، فما هو القول في هٰذا؟

جواب أبي رَحِمَهُ اللهُ:

نقول: بارك الله في هٰذا البعض، ونسأل اللهَ أن يجعلنا مِن ذاك البعض؛ لأننا نقول دائمًا وأبدًا.. واليوم كنا مع بعض إخواننا في هٰذا الحديث، قلتُ له: يبدو لك -يا فلان!- أنك لم تَسمَع الدعوة الجديدة التي كانت تُذكِّر مِن قديم فتقول أنّ مِنَ البدع الفاشية في هٰذا الزمان هو زيارة الأحياء للأموات، ألم تَسمع الدعوة الجديدة التي هي في أصلها دعوةٌ قديمة، وهي أنَّ زيارةَ الأحياءِ للأحياءِ يومَ العيد بدعة؟

ومِن أجل ذلك قلتُ لأبي (فلان) أولَ الجلوس -لٰكني لاحظتُ أنه ما انتبه، أنا قلتُ-: ما جئتُكَ عائدًا، إنما جئتُكَ زائرًا.

- مِن: عاد يعود، بمعنىٰ: زار...

أبي: الآن رجعتَ إلى اللغة..

- عيادة المريض: عاد يعود..

أبي: وهٰذه اللغة الآن ماذا عرفوها؟ "تعال لنُعيّد علىٰ فلان".

- يعني: نزوره في العيد..

أبي: هٰذا هو؛ فزيارةُ الأحياء للأموات في العيد؛ بدعة.

(انقطاع)... الأحياء هو مِن البدع.

- هٰذا قياس مع الفارق.

أبي: هٰذا ليس قياسًا.

- هناك لا يشعر الميت ولا يستفيد مِن هٰذه الزيارة، أما هنا -الأحياء للأحياء-؛ فهي الصلة وتوادّ وتحابّ.

أبي: يعني أنت لَمّا تزور الأموات لأجل أن يَحُسُّوا بزيارتك؟

- هناك لأجل الدعاء، لٰكن هنا هٰذا يوم عيد وفرح..

أبي: لا، أنا سؤالي مختصر يا أبا (فلان): لَمّا تزور الأموات يومَ العيد؛ تزورهم كي يَحُسُّوا بك؟

- لا... للدعاء لهم.

أبي: وغير أيام العيد؟ تزورهم حتىٰ يَحُسُّوا بك؟

.....

- لا

أبي: طيب؛ فإذًا؛ لماذا لا تزورهم مِن أجل الغاية التي أنت تزورهم في غير العيد، ما دام أنها غاية حَسَنة، فلماذا لا تزورهم في يومِ العيد مِن أجل هٰذه الغاية الحسنة؟

- غاية حسنة هنا؛ لأنها تتنافىٰ مع بهجة العيد وسرور العيد؛ يذهب إلى الأموات.

أبي: هٰذا هو القياس! وهل هٰذا هو الجواب؟! (يَضحَك رَحِمَهُ اللهُ).. الجواب بارك الله فيك..

- إذا كانت .. عادة جيدة؛ تعتبر مِنَ البدع أيضًا؟

أبي: اسمَعْ:

الجواب في موضوع زيارة الأحياء للأموات ليس مِن أجل هٰذا التعليل المنطقيّ بل الفلسفيّ الذي ربما يجيء واحدٌ متفلسِفٌ أكثر منكَ فيَقضي علىٰ فلسفتك، لٰكن الجواب هو:

"لو كان خيرًا لسبقونا إليه"، ما رأيكَ بهذا الجواب؟

- جيد.

أبي: فيه فلسفة؟!

- جيد.

أبي: طيب. "لو كان خيرًا لسبقونا إليه"، نحن الآن لَمّا نقول: زيارةُ الأحياءِ للأموات [في العيد] بدعة، لا يوجد عندنا نصٌّ في السُّنَّة فضلاً عن القرآن الكريم أنّ زيارةَ الأحياءِ للأموات في العيد بِدعة، ما عندنا شيء مِن هٰذا، وهٰذا القول يقال في كلِّ البدع، وهي –مع الأسف الشديد- بالأُلوف المؤلَّفة، كلُّ بدعة يقول فيها الرسولُ عليه السَّلام: «كُلّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة»([4]) لا يوجد نصٌّ في أيِّ بدعةٍ عنِ الرسول أنّ هٰذه بدعة، مع ذٰلك؛ العلماء مُجْمِعون على بِدعيَّةِ الأُلوف المؤلَّفة مِنَ الأمورِ الحادِثة بعد الرسول عليه السَّلام.

طيب؛ كيف نقول: هٰذه بدعة، ولا يوجد عندنا نص ببدعيّتها أو بإنكارها؟

بهٰذه الجملة المختصرة التي تدل عليها أدلةٌ مِن الكتاب والسُّنَّة كثيرة، وهي: "لو كان خيرًا؛ لسبقونا إليه".

ومِن الأدلة علىٰ ذٰلك: قوله تعالى:

{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]

إذًا؛ هٰذا غير سبيل المؤمنين -أنّ الناس يَروحون يزورون القبورَ يوم العيد- لم يكن مِن سبيل المؤمنين، إذًا؛ نحن نُلَخِّص هٰذا الدليل وما شابهه مِن أدلة بكلمةٍ لكي نُبعِدَ الناس عن أيِّ مُحْدَثة بقولنا: "لو كان خيرًا؛ لسبقونا إليه".

فالآن؛ زيارة القبور -كمبدأ عام-؛ خير، ولا شك، لٰكن هٰذا المبدأ العام لَمّا خَصَّصه العُرْفُ الخَلَفِيّ بيومِ العيد ولا بد، وأطْلَقُوه في أيام السَّنةِ الأخرىٰ؛ صار بدعةً في الدِّين، ودفعناها بتلك الجملة الطيبة المبارَكة: "لو كان خيرًا؛ لسبقونا إليه".

فإذًا؛ زيارة الأحياء للأموات الأصلُ فيها أنها شَرْعٌ، ولا حاجةَ إلى الأدلة.

كذٰلك نقول: زيارةُ الأحياءِ للأحياء شَرْعٌ، لا يوجد خلافٌ في هٰذا.

فحينما يأتي مَن يُذَكِّر النَّاسَ الغافلين عن هَدْيِهِ عليه السَّلام، وعن هَدْيِ السَّلفِ الذين اتَّبعوه عليه السَّلام بإحسان، فيقول لهم:

زيارةُ الأحياءِ في العيد للأحياء؛ كزيارةِ الأحياءِ في العيد للأموات، لا فَرْقَ بين هٰذا وهٰذا إطلاقًا، إنْ طلبتَ الدليل علىٰ هٰذا؛ نذكّرك بالدليل علىٰ ذاك الذي اتفقنا عليه، وهو: زيارةُ الأحياءِ في العيد للأموات بدعة، نحن -والحمد لله، فيما أظن الآن، هٰذا الجمع القليل الطيب المبارَك إن شاء الله- متَّفقون علىٰ أن زيارة الأحياء في العيد للأموات بدعة، ومُقتَنعِون بها تمامًا، مُنطلقين مِن ذٰلك المنطِق الذي لَخّصناه آنفًا، هٰذا المنطِق ما ينبغي أن نخِلّ به، وأن نُعرِضَ عنه لأننا مغلوبون علىٰ أمرِنا ومعتادون عادةً تُشبِه تلك العادةَ التي اجتمعنا علىٰ إنكارها، وهي أننا اعتدْنا أنْ نزورَ المسلمين بمناسبة العيد، فنقول جازِمين قانِعين تمامًا بأنّ زيارةَ الأحياءِ في العيد للأحياء كزيارةِ الأحياءِ في العيد للأموات، ولا فرْق إطلاقًا.

فأيُّ إنسان يريد أن يقول: "يا أخي! ماذا فيها؟! زيارة الأحياء للأحياء في العيد أمر مشروع"، وكما قيل اليوم: ".. لِزيارة الأرحام"، وصار له سَنَة أو سنتين إلخ ما زارهم، هٰذا وَحْده يكفي لينبِّه علىٰ فسادِ هٰذه الزيارة؛ لأنهم يتواكلون ويتكاسلون عن القيام بواجبِهم، سواء كان بواجب زيارةِ الأحياء للأموات، التي ترقِّقُ القلوبَ وتذكِّر الآخرة؛ لا يفعلونها إلا أيش؟ يومَ العيد! وأيضًا شخص له رحمٌ يريد أن يَصِلَه، يقول: "يلا يلا" إلىٰ أن يجيء العيد، "الزيارة في العيد أفضل، لأنّ الزيارة في الأصل مشروعة، والعيد أيضًا أيامُه فاضلة"، لا؛ "لو كان خيرًا؛ لسبقونا إليه".

فكلُّ ما يُثْبَتُ به البدعةُ الأولىٰ؛ يُثْبَتُ به البدعة الأخرىٰ.

وكلُّ مَن يَعترِضُ على البدعة الأولىٰ؛ يلزمه أن يعترض على البدعة الأخرىٰ.

وكلّ مَن يَشُكُّ في البدعة الأُخرىٰ؛ يجب ويَلزمه أنْ يَشُكُّ في البدعة الأولىٰ، وإلا كان فِكْرُه متناقضًا.

ونسأل الله عَزَّ وَجَلَّ أن يهدينا سواءَ السبيل.

انتهى، "سلسلة الهدى والنور" أواخر الشريط 530 ، وبداية الشريط 531
الرابط الصوتي:





([1])"صحيح مسلم" (977) دون الزيادات، وبها وغيرها: "صحيح الجامع" (4379 و 4584).
([2]) رواه الجماعة -إلا أبا داود- بلفظ: « صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ (في رواية: أَفْضَلُ) مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ».
([3]) رواه الترمذي (2166)، وصححه الوالد رَحِمَهُ اللهُ.
([4]) "صحيح مسلم" (867).