دعاءُ حَمَلةِ العرشِ ومَن حولَه مِن الملائكة المقرَّبين

الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد:
 قال العلّامة السعديُّ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن ذلك: دعاءُ حَمَلةِ العرشِ ومَن حولَه مِن الملائكة المقرَّبين، حين دَعَوا للمؤمنين:
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)﴾ [غافر][1].
وهذا دعاءٌ جامع، وتوسُّلٌ نافع، فتوسَّلوا بـ:
ربوبيَّةِ اللهِ تعالى.
وسعةِ عِلمه ورحمتِه المتضمِّنِ عِلمَه بحال المؤمنين، وما خَلَقهم عليه مِن الضعف، ورحمتَه إياهم- لكونه جَعَل الإيمانَ أعظمَ وسيلةٍ تُنال بها رحمتُه-:
أن يَغفر للمؤمنين الملتزِمين للإيمان، وهم الذين تابوا مما يَكرهه الله، واتَّبَعوا سبيلَه بالتزامِ ما يحبُّه ويرضاه، فيغفرَ ذنوبَهم، ويقيَهم أشدَّ العذاب وهو عذابُ الجحيم،
وأن يُنيلَهم أعظمَ الثواب- وهو دخولُ جناتِ عدنٍ التي وَعَدَهم على ألسنةِ رسلِه- وتمامُ ذلك: أن يُقِرَّ أعينَهم باجتماعِهم بآبائهم وأزواجهم وذرياتهم الصالحين.
ثم توسَّلوا بكمالِ عِزَّةِ اللهِ وكمالِ حِكمته؛ لأنَّ المقامَ يناسب هذا:
فمِن كمالِ عِزَّتِه واقتدارِه:
أن يحفظَهم ويَحُولَ بينهم وبين السيئات، ويَصرفَ عنهم السيئات، ويُنيلَهم أنواعَ المثوبات.
ومِن كمالِ حكمته: أنَّ الموصوفين بتلك الصفات هم أهلٌ لِأن يَغفرَ لهم ويَرحمهم، ويَدفعَ عنهم السوءَ ويُنيلَهم الأجر.
ولَمَّا دَعوا أن يَغفرَ لهم السيئاتِ التي فعلوها؛ دَعَوُا اللهَ أن يَقيَهم سيئاتِ أنفسِهم الأمَّارةِ بالسوء، بأن يُحَبِّبَ إليهمُ الإيمانَ، ويُزيِّنَه في قلوبهم، ويُكرِّهَ إليهمُ الكفرَ والفسوقَ والعصيان، ويجعلهم مِن الراشدين، وأنَّ مِن لازمِ وِقاية السيئاتِ حصولَ رحمةِ الله.
وهذا دعاءٌ عظيمٌ صادِرٌ مِن أعظمِ الخلقِ معرفةً بالله، ولذلك وَصَفَ الله مَن حَصَلتْ له هذه الأمورُ بالفوز بكلِّ مطلوب، والنجاةِ مِن كلِّ مرهوب، فقال: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾" اﻫ من "المواهب الربانية" (ص 137و138، ط3، 1428، دار المعالي).
وله -رَحِمَهُ اللهُ- كلامٌ نفيس وفوائد قيمة على هذا الدعاء العظيم، ذكره في "تيسير الكريم الرحمٰن" أنقل منه خاتمته إذ قال:
"وقد تضمَّن هذا الدعاءُ مِن الملائكة:
q كمالَ معرفتِهم بربِّهم.
q والتوسَّلَ إلى اللهِ بأسمائه الحسنى، التي يحبُّ مِن عِبادِه التوسُّلَ بها إليه.
q والدعاءَ بما يناسب ما دَعَوُا اللهَ فيه، فلما كان دعاؤهم بحصولِ الرحمة، وإزالةِ أثرِ ما اقتضتْه النفوسُ البشريةُ التي عَلِمَ اللهُ نقْصَها واقتضاءها لِمَا اقتضتْه مِن المعاصي، ونحو ذلك مِن المبادئ والأسباب التي قد أحاط الله بها علمًا؛ توسَّلوا بالرحيم العليم.
وتضمَّن:
q كمالَ أدبِهم مع الله تعالى بإقرارِهم بربوبيَّتِه لهم الربوبيةَ العامةَ والخاصة، وأنه ليس لهم مِن الأمر شيء، وإنما دعاؤهم لربهم صَدَر مِن فقيرٍ بالذات مِن جميع الوجوه، لا يُدْلِي على ربِّه بحالةٍ مِن الأحوال، إنْ هو إلا فضلُ الله وكرمُه وإحسانُه.
وتضمَّن:
q موافقتَهم لربِّهم تمامَ الموافَقة، بمحبةِ ما يحبُّه:
مِن الأعمال التي هي العباداتُ التي قاموا بها، واجتهدوا اجتهادَ المحبِّين.
ومِن العُمَّال الذين هم المؤمنون الذين يحبُّهم اللهُ تعالى مِن بين خَلقه، فسائر الخلق المكلَّفين يبغضهم اللهُ إلا المؤمنين منهم، فمِن محبةِ الملائكةِ لهم دَعَوا الله، واجتهدوا في صلاح أحوالهم؛ لأن الدعاء للشخص مِن أدل الدلائل على محبته؛ لأنه لا يدعو إلا لمن يحبه.
وتضمَّن ما شرحه اللهُ وفصَّله مِن دعائهم بعد قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾:
q التنبيهَ اللطيفَ على كيفية تدبُّرِ كتابه، وأن لا يكون المتدبِّر مُقتصرًا على مجردِ معنى اللفظ بمفردِه، بل ينبغي له أن يتدبَّر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه؛ نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطُّرق الموصلةِ إليه وما لا يتمُّ إلا به وما يتوقَّف عليه، وجزم بأنَّ الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاصَّ الدالَّ عليه اللفظ.
والذي يوجب له الجزمَ بأنَّ اللهَ أراده: أمران:
أحدهما: معرفته وجزمه بأنه مِن توابع المعنى والمتوقِّف عليه.
والثاني: عِلمُه بأنَّ الله بكل شيء عليم، وأنَّ الله أمرَ عِباده بالتدبُّر والتفكُّر في كتابه.
وقد عَلِمَ تعالى ما يَلزم مِن تلك المعاني. وهو المخبِر بأنَّ كتابَه هدًى ونورٌ وتبيانٌ لكلِّ شيء، وأنه أفصحُ الكلامِ وأجلُّه إيضاحًا، فبذلك يحصُل للعبدِ مِن العلم العظيم والخير الكثير، بحسَبِ ما وفَّقه اللهُ له، وقد كان في تفسيرنا هذا كثير مِن هذا مَنَّ به اللهُ علينا. وقد يَخفى في بعض الآيات مأخذُه على غير المتأمِّل صحيحِ الفكرة.
ونسأله تعالى أن يفتح علينا مِن خزائن رحمته ما يكون سببًا لِصلاح أحوالنا وأحوال المسلمين، فليس لنا إلا التعلُّق بكَرمه، والتوسُّل بإحسانه، الذي لا نزال نتقلَّب فيه في كل الآنات، وفي جميع اللحظات، ونسأله مِن فضله أن يَقيَنا شرَّ أنفسِنا المانعَ والمعوِّقَ لوصول رحمته، إنه الكريم الوهاب، الذي تفضَّل بالأسباب ومسبباتها.
وتضمَّن ذلك:
q أنَّ المقارِن مِن زوجٍ وولدٍ وصاحِبٍ، يَسْعَد بِقَرِينِه، ويكون اتصالُه به سببًا لخيرٍ يحصل له خارجٍ عن عمله وسببِ عمله، كما كانت الملائكة تدعو للمؤمنين ولمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وقد يقال: إنه لا بد من وجود صلاحهم لقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾، فحينئذ يكون ذلك مِن نتيجة عملِهم، والله أعلم" اﻫ من "تيسير الكريم الرحمٰن" (ص733، ط1، 1421هـ، مؤسسة الرسالة).

الأربعاء 10 ذو القعدة 1438



[1] - الآيةُ الأولى مع مَطلعها: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)﴾. 

دعاءُ أصحابِ الكهف

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه>
أمّا بعد:
قال العلّامة السعديّ رَحِمَهُ اللهُ:
"ومِن ذلك: دعاءُ أصحابِ الكهف إذْ فرُّوا إلى الله بِدِينِهم، فقالوا مُلْتَجِئين إليه:
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 10][1].
فتضرَّعوا إليه في:
أن يؤتيَهم مِن لدنه رحمةً بحيث إذا حَلَّتْ عليهم سَلَّمَ لهم دِينَهم، وحَفِظَهم مِن الفتن، وأَنالهم بها الخير.
وأن يهيِّئَ لهم مِن أمرِهم رَشَدًا، أي: يُيَسِّرهم لليُسرى، ويسهِّل لهم الأمور، ويُرشدهم إلى أرفق الأحوال.
فاستجاب لهم هذا الدعاءَ، ونَشَرَ عليهم رحمتَه، وحَفِظَ أديانَهم وأبدانَهم، وجَعَل فيهم بركةً على أنفسِهم وعلى غيرِهم" اﻫ من "المواهب الربانية" (ص 137، ط3، 1428، دار المعالي).


قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رَحِمَهُ اللهُ:
"فيه مسائل:
الأولى: كونهم فعلوا ذلك عند الفتنة، وهذا هو الصوابُ عند وقوع الفتن؛ الفرارُ منها.
الثانية: قولهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾؛ لا نحصِّلها بأعمالنا ولا بحيلتنا.
الثالثة: قولهم: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ طلبوا مِن الله أن يجعل لهم مِن ذلك العمل رَشَدًا مع كونه عملًا صالحًا؛ فما أكثرَ ما يقصِّر الإنسانُ فيه، أو يرجع على عقبيه، أو يُثمر له العُجبَ والكِبر! وفي الحديث: «وما قَضَيْتَ لنا مِن قضاءٍ؛ فاجْعَلْ عَاقِبَتَهُ رَشَدًا»[2]" اﻫ من "مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهّاب" (2/ 184، ط1، 1421ه، دار القاسم).

الجمعة 5 ذو القعدة 1438هـ



[1] - مطلع الآية: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا﴾.
[2] - رواه الإمام أحمد وغيرُه عن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، يُنظَر تحقيق أبي -رَحِمَهُ اللهُ- في "أصل صفة الصلاة" (3/ 1012).

تنبيهٌ على حجاب الأخوات المسلمات العاملات في خدمة البيوت

الحمد لله والصلاة والسلام علىٰ خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أمَّا بعد
فقد سئل أبي رَحِمَهُ اللهُ:
فتاة عُمرها أربع عشرة سنة تَعمل خادمةً أو نحو ذٰلك عند بعض الإخوان، فهو يقول أنها بحُكم عملها في البيت وكذا فيظهر بعضُ شَعرِها وبعضُ اليد ونحو ذٰلك، فهل هٰذا مِن المباح، أم..؟
فقال جزاه الله خيرًا:
لا يجوز.
السائل: لا يجوز؟
أبي: أبدًا.
السائل: في أثناء العمل هي لا تستطيع..
أبي: بل لا يجوز لها أن تعمل هناك.
السائل: لا يجوز حتىٰ مع وجود زوجتَيه؟! هو متزوِّج باثنتين.
أبي رَحِمَهُ اللهُ: ما دام أنها تَعمل عَمَلًا تَتَعَرَّض فيه لأَنْ يَبدوَ منها شيءٌ ممّا لا يَحِلُّ مِن بَدَنِها؛ فهٰذا هو معناه: «إنّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ؛ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ»[1]، فلا بد لها مِن أن تَبتعِدَ عن هٰذا العمل الذي يُعَرِّضُها لِمِثلِ هٰذه المعصية، أمّا أن يقال بأنه يجوز لها ذٰلك؛ فهٰذا أَبْعَدُ ما يَكون عنِ الصواب.
"سلسلة الهدىٰ والنور" (ش 43/ د 33:11).

وقرأ أبي –رَحِمَهُ اللهُ- هذا السؤالَ الموجَّه إليه وأجاب خلال فقراته:
ما حُكم استقدام الخادمة المسلمة مِن بلدٍ أجنبيٍّ مع مَحْرَم؟ علمًا بأننا نجعلها تتحجَّب الحجابَ الشرعيَّ، وإن كان قد يبدو ذراعُها أحيانًا مع العمل في البيت، فما الحكم؟
الجواب: أنّ استقدام الخادمة المسلمة ولو مع فرْض الحجابِ الشرعيِّ كما جاء في السؤال، فينبغي أن يُحال بينها وبين دخولِ الرجالِ الأجانبِ عليها، ولو كان رَبَّ البيت، أي زوج الزوجةِ المسلمة، التي هي استخدمت الخادمة المسلمة، فلا يجوز لها أن يبدوَ شيءٌ مِن عورتِها التي هي كلُّ بدنها ما عدا الوجه والكفَّين، فكونها خادمًا فهي حُرّة ولا يجوز أن يبدو منها سوى الوجه والكفين، فإذا اضطرت امرأة أو اضطر رجلٌ أن يجلب خادمة مسلمة، فعليه أن يدقِّق في موضوع ستْرِها بحيث أن لا تتعرض للكشف عن شيء أمام الزوج، أمَّا الزوجة فلا بأس أن تكشف مِن بدنها ما تكشف أمام كلِّ بناتِ جنسِها المسلمات.
تمام السؤال:
"وهل يجب عليَّ أن أُلبسها الجواربَ وإذا أبتْ ذلك فما عليَّ؟"
أظن جوابَ هذا السؤال سَبق في عموم الجواب الأول، وبصراحة نقول: -"وإذا أبتْ ذلك فما عليَّ؟"- عليك إذا كنتِ أنتِ ربةَ البيت أن لا تفسحي المجالَ لِمِثل هذه الخادم أن تكون في بيتك؛ لأن في ذلك فتنة، ربما للزوج، ربما لأخ الزوج، ربما لابن الزوج، إلى آخر ما هنالك مما قد يقع.
ثم تمام السؤال:
"وهل عليَّ إثم إذا لم تتحجب الحجاب الشرعي في الشارع وليس أمام زوجي؟"
الجواب: نعم؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول: «كلُّكُمْ راعٍ وكلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فالرَّجُلُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ وَهِي مَسْؤولةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا»[2]، فهذه الخادمة، المرأة سيدةُ الدار هي مسؤولةٌ عنها، فلا يجوز لها..[3] أن تقضي بعضَ مصالح البيت، أو مصالح السيد، أو السيدة مِن السوق، ثم لتعود إلى الدار، فلا يجوز استقدام مثل هذه المرأة، لما في ذلك من الإعانة على معصية الله تبارك وتعالى، والله عَزَّ وَجَلَّ يقول: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: من الآية 2].
"فتاوى المرأة المسلمة" (ش12/ د 18، ثم أول ش 13).

وبعد، فالمراد التنبيهُ والتحذير مِن تهاون البعض بمسألة حجاب الخادمات مع العناية بحجاب الأهل! فالحال أنَّ الخادمةَ مسلمةٌ حُرَّة، كما أنَّ أهلَه مسلماتٌ حرائر! وهو مسؤول عن رعيته، والخادمة -إذِ استقدمها وصارت مِن سُكَّان بيته- مِن رعيته، لكنها أيضًا أجيرة عنده وليست ملك يمينه! فهي أجنبيةٌ عنه، ولذا؛ فمَن كان يذهب إلى وجوبِ ستر الوجه؛ أوجبه على الخادمةِ عن مُستخدمِها، أو محارِم مستخدمتِها، وفي ذلك فتاوى عديدة للشيخ العثيمين -رَحِمَهُ اللهُ- فليرجع إليها مَن لم يعلمها، خاصة في لقاءات "الباب المفتوح".
وأخيرًا؛ فإن من الصور المشرقة ما رأيتُه من أختٍ تعمل في هذا المجال، محتشمة محافظة، تستر وجهها فلا يكاد يظهر إلا عيناها، مثل هذه الأخت تُحترَم وتحَبُّ في الله؛ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: من الآية 13].
قال أبو العتاهية:
ألا إنما  التَّقْوى  هي  العِزُّ  والكَرَمْ * وحُبُّكَ    لِلدُّنيا   هو   الذُّلُّ   والنَّدمْ
وليس  على  عَبْدٍ   تَقِيٍّ   نَقِيصَةٌ * إذا صَحَّحَ التقْوى وإنْ حَاكَ  أَو حَجَمْ

الأحد 22 شوال 1438هـ



[1] - متفق عليه.
[2] - متفق عليه من حديث ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ينظر بألفاظه في "مختصر صحيح البخاري" للوالد (2/ 132/ 1107).
[3] - نهاية الشريط.

دعاءُ موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ

الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أمَّا بعد:
قال العلَّامة السعدي رَحِمَهُ اللهُ:
ومِن أجمع الأدعية وأحسنها توسُّلًا: دعاءُ موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ حين تضرَّع إلى ربِّه فقال:
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: من الآيتين 155، 156]
فتوسَّل إلى وليِّه بولايته لِعبده، وحُسْنِ تدبيره وتربيته ولُطفه، على:
حصول المغفرة والرحمة.
وكذلك توسَّل بكمالِ مغفرةِ الله وسعةِ جودِه على هذا، ورتَّب على هذا حصولَ حسنةِ الدنيا والآخرة؛ فإنه إذا حصلت المغفرةُ؛ زالت الشرورُ كلُّها، والعذابُ كلُّه، وإذا حصلت الرحمةُ؛ حَلَّ الخيرُ وحسناتُ الدنيا والآخرة.
فيكون قوله: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ نظيرَ قوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: من الآية 201] مع زيادة التوسُّل بولاية الله، وكمالِ غُفرانه، ومع طلبِ مغفرتِه ورحمتِه اللَّذين بهما تُنال حسنةُ الدنيا والآخرة.
ثم خَتَم دعاءه بالتوسُّل إلى ربِّه بالإقبال إليه، والإنابةِ إليه والتذلُّل لعظمته، فقال:
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي رَجعنا إليك في مهمَّاتنا وأمورنا، لا نرجع إلى غيرِك؛ لِعِلْمنا أنه لا يَكشف السوءَ ولا يجيب المضطرَّ إلا أنت، ورجعنا إليك في عباداتنا الظاهرة والباطنة[1]" اﻫ من "المواهب الربانية" (ص 136و137، ط3، 1428، دار المعالي).


قال الحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللهُ:
وقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ الغَفْر هو: الستر، وتَرْكُ المؤاخذَةِ بالذَّنب. والرحمةُ إذا قُرنَتْ مع الغَفْر؛ يراد بها: ألا يُوقِعَهُ في مِثْلِهِ في المستقبَل"[2] اﻫ من "تفسير القرآن العظيم" (3/ 481، ط دار طيبة).

الجمعة 6 شوال 1438هـ



[1] - جاء في جميع كتب التفسير في معنى ﴿هدنا إليك﴾: تُبْنَا إليك، مثاله: قال الحافظ ابن كثير (3/ 481): "أي: تُبْنا ورَجعنا وأَنَبْنَا إليك. قاله ابن عباس، وسعيد بن جُبَير، ومجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وإبراهيم التَّيمي، والسُّدِّي، وقتادة، وغير واحد. وهو كذلك لُغَةً" اﻫ.
[2] - ومثل هذه الفائدة سبق هنـــــا: http://tamammennah.blogspot.com/2012/07/blog-post_16.html

من الأدعية التي أمر اللهُ بها رسولَه وعبادَه المؤمنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد:
قال العلامة السعدي رَحِمَهُ اللهُ:
"ومن ذلك: الأدعية التي أمر الله بها رسوله وعباده المؤمنين فقال:
﴿وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)﴾ [المؤمنون].
فهذا توسُّلٌ إلى الله بربوبيَّتِه ورحمتِه الواسعةِ، في: حصولِ الخير، ودفعِ الشرِّ كلِّه، وهي المغفرةُ التي تندفع بها المكروهات، والرحمةُ التي تحصل بها جميعُ المحبوبات.
وكذلك قوله:
﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)﴾ [الإسراء].
فهذا توسُّلٌ إلى الله بربوبيَّتِه أن تكون مداخِلُ العبدِ ومخارِجُه كلُّها صِدقًا، وذلك أن تكون صالحةً خالصةً لوجهِ الله، مقرونةً بالاستعانةِ باللهِ والتوكلِ عليه. وذلك يَستلزم أن تكون حركاتُ العبدِ كلُّها -ظاهرُها وباطنُها- طاعةً لله، وعملًا بما يحبُّه ويرضاه، وهذا هو الكمال مِن جهة العمل.
وأمَّا الكمالُ مِن جهة العلم: فإنه يجعل اللهُ له ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ أي: حُجةً ظاهرةً ناصِرة، وقوةً يَحصل بها نصرُ الحقِّ وقمْعُ الباطل.
فيحصل باستجابةِ هذا الدعاء: العلمُ النافع، والعملُ الصالح، والتمكينُ في الأرض.
وقال تعالى لرسوله:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: من الآية 114]
فالعلمُ أَجَلُّ الأشياء، وبه تُعرَف جميعُ الأشياء، فسؤالُه وسؤالُ الزيادةِ منه مِن أفضلِ ما سأل السائلون" اﻫ من "المواهب الربانية" (ص 135و136، ط3، 1428، دار المعالي).

وفي آية الإسراء عدة أقوال في المراد من مخرج الصدق ومدخل الصدق، رجّح الإمام الطبري (17/ 533) أن "مُدْخل الصِّدق: مُدْخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، حين هاجر إليها، ومُخْرَج الصدق: مُخْرجه من مكة، حين خرج منها مهاجرًا إلى المدينة"، فمعنى الدعاء: "وأَدْخِلْنِي المدينةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأَخْرِجْنِي مِنْ مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ" اﻫ منه (17/ 535).
ولأن العبرة بعموم اللفظ؛ نرى العمومَ في تفسير العلامة السعدي، وفيما يلي:
قال الإمام ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ:
"وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ: أَنْ يَسْأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مُدْخَلَهُ وَمُخْرَجَهُ عَلَى الصِّدْقِ. فَقَالَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)﴾ [الإسراء].
وَأَخْبَرَ عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ. فَقَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84)﴾ [الشعراء].
وَبَشَّرَ عِبَادَهُ بِأَنَّ لَهُمْ عِنْدَهُ قَدَمَ صِدْقٍ، وَمَقْعَدَ صِدْقٍ. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: من الآية 2].
وَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾ [القمر].
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:
مُدْخَلُ الصِّدْقِ، وَمُخْرَجُ الصِّدْقِ. وَلِسَانُ الصِّدْقِ، وَقَدَمُ الصِّدْقِ، وَمَقْعَدُ الصِّدْقِ.
وَحَقِيقَةُ الصِّدْقِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ:
هُوَ الْحَقُّ الثَّابِتُ، الْمُتَّصِلُ بِاللَّهِ، الْمُوَصِّلُ إِلَى اللَّهِ. وَهُوَ مَا كَانَ بِهِ وَلَهُ، مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ. وَجَزَاءُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَمُدْخَلُ الصِّدْقِ، وَمُخْرَجُ الصِّدْقِ: أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ حَقًّا ثَابِتًا بِاللَّهِ، وَفِي مَرْضَاتِهِ [مُتَّصِلًا] بِالظَّفَرِ بِالْبُغْيَةِ، وَحُصُولِ الْمَطْلُوبِ.
ضِدَّ مُخْرَجِ الْكَذِبِ وَمُدْخَلِهِ الَّذِي لَا غَايَةَ لَهُ يُوَصَلُ إِلَيْهَا، وَلَا لَهُ سَاقٌ ثَابِتَةٌ يَقُومُ عَلَيْهَا، كَمُخْرَجِ أَعْدَائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَمُخْرَجُ الصِّدْقِ كَمُخْرَجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ.
وَكَذَلِكَ مُدْخَلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ: كَانَ مُدْخَلُ صِدْقٍ بِاللَّهِ، وَلِلَّهِ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَاتَّصَلَ بِهِ التَّأْيِيدُ وَالظَّفَرُ وَالنَّصْرُ، وَإِدْرَاكُ مَا طَلَبَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
بِخِلَافِ مُدْخَلِ الْكَذِبِ الَّذِي رَامَ أَعْدَاؤُهُ أَنْ يَدْخُلُوا بِهِ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِاللَّهِ، وَلَا لِلَّهِ، بَلْ كَانَ مُحَادَّةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ إِلَّا الْخِذْلَانُ وَالْبَوَارُ.
وَكَذَلِكَ مُدْخَلُ مَنْ دَخَلَ مِنَ الْيَهُودِ الْمُحَارِبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِصْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُدْخَلَ كَذِبٍ؛ أَصَابَهُ مَعَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ.
فَكُلُّ مُدْخَلٍ [مَعَهُمْ][1] وَمُخْرَجٍ كَانَ بِاللَّهِ وَلِلَّهِ، فَصَاحِبُهُ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ، فَهُوَ مُدْخَلُ صِدْقٍ، وَمُخْرَجُ صِدْقٍ.
وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا خَرَجَ مِنْ دَارِهِ رَفَعَ رَأَسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُخْرَجَ مُخْرَجًا لَا أَكُونُ فِيهِ ضَامِنًا عَلَيْكَ.
يُرِيدُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْمُخْرَجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ. وَلِذَلِكَ؛ فُسِّرَ مُدْخَلُ الصِّدْقِ وَمُخْرَجُهُ: بِخُرُوجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ، وَدُخُولِهِ الْمَدِينَةَ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمُدْخَلَ وَالْمُخْرَجَ مِنْ أَجَلِّ مَدَاخِلِهِ وَمَخَارِجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِلَّا فَمَدَاخِلُهُ كُلُّهَا مَدَاخِلُ صِدْقٍ، وَمَخَارِجُهُ مَخَارِجُ صِدْقٍ، إِذْ هِيَ لِلَّهِ وَبِاللَّهِ وَبِأَمْرِهِ، وَلِابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ.
وَمَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ بَيْتِهِ وَدَخَلَ سُوقَهُ أَوْ مُدْخَلًا آخَرَ؛ إِلَّا بِصِدْقٍ أَوْ بِكَذِبٍ، فَمُخْرَجُ كُلِّ وَاحِدٍ وَمُدْخَلُهُ: لَا يَعْدُو الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ" اﻫ المراد من "مدارج السالكين" (3/ 9 و10، ط 2، 1429هـ، دار طيبة).

الجمعة 28 رمضان 1438هـ




[1] - غير موجودة في بعض النسخ كما أفاد المحقق وقال: ولعل الصواب حذفها.

دعاءُ سليمان عليه السلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وإخوانِه المتَّبِعين.
أمَّا بعد:
قال العلامة السعدي رَحِمَهُ اللهُ:
"ومن ذلك: دعاءُ سليمان عليه السلام:
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)﴾ [النمل]
فتوسَّل إلى الله بربوبيَّته، وبنعمته عليه وعلى والديه؛ أن يُوْزِعَهُ أي: يُلْهِمَه ويوفِّقَه لِشكرِها، بالاعتراف بها، ومحبتِه لله عليها والثناءِ عليه، والإكثارِ مِن ذكره، وأن يوفِّقَه عملًا صالحًا يرضاه -ويَدخل في هذا جميعُ الأعمالِ الصالحةِ ظاهرِها وباطنِها- وأن يُدخلَه برحمته في جملةِ عِبادِه الصالحين.
وهذا الدعاءُ شاملٌ لخيرِ الدنيا والآخرة.
ومثلُ هذا:
دعاءُ الذي بَلَّغه اللهُ أشُدَّه وبلَّغه أربعين سَنة، ومَنَّ عليه بالإنابة إليه
فقال:
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)﴾ [الأحقاف]
فتوسَّل بـ:
ربوبيَّة ربِّه له.
وبنعمتِه عليهِ وعلى والديه.
وبالتزامِ تَرْكِ ما يَكرهه ربُّه بالتوبة.
وفِعل ما يحبُّه بالإسلام.
أن يمُنَّ عليه بالشكر المتضمِّن لِاعترافِ القلب وخضوعِه ومحبتِه للمُنعِم، والثناءِ على الله مطلقًا ومقيدًا.
وأن يوفِّقَه لِما يحبُّه اللهُ ويرضاه.
 ويُصلحَ له في ذريَّتِه.
فهذا دعاءٌ محتوٍ على صلاحِ العبد، وإصلاحِ اللهِ له أمورَه كلَّها، وإصلاحِ ذريَّتِه في حياته وبعد مماته، وهو دعاءٌ حقيقٌ بالعبد -خصوصًا إذا بلغ الأربعين- أن يداوِم عليه بِذُلٍّ وافتقار؛ لعله أن يَدخل في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)﴾ [الأحقاف]" اﻫ من "المواهب الربانية" (ص 133-135، ط3، 1428، دار المعالي).


فائدة في شكر اللهِ على نِعَمِهِ على الوالدَين
قال الوزير ابن هبيرة -رَحِمَهُ اللهُ- في قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾:
"هذا مِن تَمَامِ بِرِّ الوالدَين، كأنَّ هذا الوَلَدَ خافَ أن يَكونَ والِداهُ قَصَّرا في شُكْرِ الرَّبِّ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَسَألَ اللهَ أن يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ على ما أَنْعَمَ به عليهِ وعليهما؛ لِيقُومَ بما وَجَبَ عليهما مِن الشُّكْر إنْ كانا قَصَّرا" اﻫ من "الذيل على طبقات الحنابلة" (2/147، ط1، 1425، مكتبة العبيكان).
أمَّا العلامة السعدي فقال:
"﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ أي: نِعَمِ الدِّينِ ونِعَمِ الدُّنيا، وشُكْرُه بِصَرْفِ النِّعَمِ في طاعةِ مُسْدِيها ومُوليها، ومقابلةِ مِنَّتِه بالِاعترافِ والعجزِ عن الشُّكرِ والاجتهادِ في الثناءِ بها على الله. والنِّعَمُ على الوالدَين نِعَمٌ على أولادِهم وذرِّيتِهم؛ لأنهم لا بد أن يَنالَهم منها ومِن أسبابها وآثارها، خصوصًا نِعَمُ الدِّين؛ فإنَّ صلاحَ الوالدَين بالعِلم والعمل مِن أعظمِ الأسبابِ لِصلاحِ أولادهم" اﻫ من "تيسير الكريم الرحمٰن" (ص781، ط1، 1421هـ، مؤسسة الرسالة).

 
فائدة في معنى ﴿أَوْزِعْنِي﴾
جاء في "مجمل اللغة" لابن فارس رَحِمَهُ اللهُ:
"وزع: وَزَعْتُ الرَّجُلَ عنِ الأمرِ: كَفَفْتُه، وفي كتاب الله - جَلَّ وَعَزَّ-: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: 17]، أي: يُحْبَسُ أوَّلُهم على آخِرِهم.
وأَوْزَعَهُ اللهُ الشُّكْرَ: أَلْهَمَهُ إيَّاه.
ويقال: هو من أُوزِعَ بالشيء، إذا أُوْلِعَ به، كأنَّ اللهَ تعالى يُوزِعُه بِشُكْرِه" اﻫ من "مجمل اللغة" (ص924، ط2، 1406، مؤسسة الرسالة).
وجمعها العلامة ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ- فقال:
".. فقد دار معنى اللفظةِ على معنى:
q ألْهِمْني ذلك.
q واجعلني مُغْرًى به.
q وكُفَّني عمَّا سواه" اﻫ من " شفاء العليل" (ص 123 ، ط دار التراث).
هذا؛ ومعلومٌ أنَّ الشُّكرَ يكون بالجوارح كما يكون بالقلب واللسان، فهذا الدعاءُ مَطلبُ مَن أراد أن يكون -حقًا- مُلهَمًا شُكرَ اللهِ تعالى، مُوَفَّقًا إلى سُبُله، مُغْرًى به مُوْلَعًا بأنواعه، غيرَ غافِلٍ عنه، بل هو بِشُكْرِهِ مكفوفٌ عن الغفلةِ والكُفران!

الخميس 20 رمضان 1438هـ