من الأدعية التي أمر اللهُ بها رسولَه وعبادَه المؤمنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد:
قال العلامة السعدي رَحِمَهُ اللهُ:
"ومن ذلك: الأدعية التي أمر الله بها رسوله وعباده المؤمنين فقال:
﴿وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)﴾ [المؤمنون].
فهذا توسُّلٌ إلى الله بربوبيَّتِه ورحمتِه الواسعةِ، في: حصولِ الخير، ودفعِ الشرِّ كلِّه، وهي المغفرةُ التي تندفع بها المكروهات، والرحمةُ التي تحصل بها جميعُ المحبوبات.
وكذلك قوله:
﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)﴾ [الإسراء].
فهذا توسُّلٌ إلى الله بربوبيَّتِه أن تكون مداخِلُ العبدِ ومخارِجُه كلُّها صِدقًا، وذلك أن تكون صالحةً خالصةً لوجهِ الله، مقرونةً بالاستعانةِ باللهِ والتوكلِ عليه. وذلك يَستلزم أن تكون حركاتُ العبدِ كلُّها -ظاهرُها وباطنُها- طاعةً لله، وعملًا بما يحبُّه ويرضاه، وهذا هو الكمال مِن جهة العمل.
وأمَّا الكمالُ مِن جهة العلم: فإنه يجعل اللهُ له ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ أي: حُجةً ظاهرةً ناصِرة، وقوةً يَحصل بها نصرُ الحقِّ وقمْعُ الباطل.
فيحصل باستجابةِ هذا الدعاء: العلمُ النافع، والعملُ الصالح، والتمكينُ في الأرض.
وقال تعالى لرسوله:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: من الآية 114]
فالعلمُ أَجَلُّ الأشياء، وبه تُعرَف جميعُ الأشياء، فسؤالُه وسؤالُ الزيادةِ منه مِن أفضلِ ما سأل السائلون" اﻫ من "المواهب الربانية" (ص 135و136، ط3، 1428، دار المعالي).

وفي آية الإسراء عدة أقوال في المراد من مخرج الصدق ومدخل الصدق، رجّح الإمام الطبري (17/ 533) أن "مُدْخل الصِّدق: مُدْخل رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة، حين هاجر إليها، ومُخْرَج الصدق: مُخْرجه من مكة، حين خرج منها مهاجرًا إلى المدينة"، فمعنى الدعاء: "وأَدْخِلْنِي المدينةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأَخْرِجْنِي مِنْ مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ" اﻫ منه (17/ 535).
ولأن العبرة بعموم اللفظ؛ نرى العمومَ في تفسير العلامة السعدي، وفيما يلي:
قال الإمام ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ:
"وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ: أَنْ يَسْأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مُدْخَلَهُ وَمُخْرَجَهُ عَلَى الصِّدْقِ. فَقَالَ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80)﴾ [الإسراء].
وَأَخْبَرَ عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ. فَقَالَ: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84)﴾ [الشعراء].
وَبَشَّرَ عِبَادَهُ بِأَنَّ لَهُمْ عِنْدَهُ قَدَمَ صِدْقٍ، وَمَقْعَدَ صِدْقٍ. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: من الآية 2].
وَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾ [القمر].
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:
مُدْخَلُ الصِّدْقِ، وَمُخْرَجُ الصِّدْقِ. وَلِسَانُ الصِّدْقِ، وَقَدَمُ الصِّدْقِ، وَمَقْعَدُ الصِّدْقِ.
وَحَقِيقَةُ الصِّدْقِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ:
هُوَ الْحَقُّ الثَّابِتُ، الْمُتَّصِلُ بِاللَّهِ، الْمُوَصِّلُ إِلَى اللَّهِ. وَهُوَ مَا كَانَ بِهِ وَلَهُ، مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ. وَجَزَاءُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَمُدْخَلُ الصِّدْقِ، وَمُخْرَجُ الصِّدْقِ: أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ حَقًّا ثَابِتًا بِاللَّهِ، وَفِي مَرْضَاتِهِ [مُتَّصِلًا] بِالظَّفَرِ بِالْبُغْيَةِ، وَحُصُولِ الْمَطْلُوبِ.
ضِدَّ مُخْرَجِ الْكَذِبِ وَمُدْخَلِهِ الَّذِي لَا غَايَةَ لَهُ يُوَصَلُ إِلَيْهَا، وَلَا لَهُ سَاقٌ ثَابِتَةٌ يَقُومُ عَلَيْهَا، كَمُخْرَجِ أَعْدَائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَمُخْرَجُ الصِّدْقِ كَمُخْرَجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ.
وَكَذَلِكَ مُدْخَلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ: كَانَ مُدْخَلُ صِدْقٍ بِاللَّهِ، وَلِلَّهِ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَاتَّصَلَ بِهِ التَّأْيِيدُ وَالظَّفَرُ وَالنَّصْرُ، وَإِدْرَاكُ مَا طَلَبَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
بِخِلَافِ مُدْخَلِ الْكَذِبِ الَّذِي رَامَ أَعْدَاؤُهُ أَنْ يَدْخُلُوا بِهِ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِاللَّهِ، وَلَا لِلَّهِ، بَلْ كَانَ مُحَادَّةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ إِلَّا الْخِذْلَانُ وَالْبَوَارُ.
وَكَذَلِكَ مُدْخَلُ مَنْ دَخَلَ مِنَ الْيَهُودِ الْمُحَارِبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِصْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مُدْخَلَ كَذِبٍ؛ أَصَابَهُ مَعَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ.
فَكُلُّ مُدْخَلٍ [مَعَهُمْ][1] وَمُخْرَجٍ كَانَ بِاللَّهِ وَلِلَّهِ، فَصَاحِبُهُ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ، فَهُوَ مُدْخَلُ صِدْقٍ، وَمُخْرَجُ صِدْقٍ.
وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا خَرَجَ مِنْ دَارِهِ رَفَعَ رَأَسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُخْرَجَ مُخْرَجًا لَا أَكُونُ فِيهِ ضَامِنًا عَلَيْكَ.
يُرِيدُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْمُخْرَجُ مُخْرَجَ صِدْقٍ. وَلِذَلِكَ؛ فُسِّرَ مُدْخَلُ الصِّدْقِ وَمُخْرَجُهُ: بِخُرُوجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ، وَدُخُولِهِ الْمَدِينَةَ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمُدْخَلَ وَالْمُخْرَجَ مِنْ أَجَلِّ مَدَاخِلِهِ وَمَخَارِجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِلَّا فَمَدَاخِلُهُ كُلُّهَا مَدَاخِلُ صِدْقٍ، وَمَخَارِجُهُ مَخَارِجُ صِدْقٍ، إِذْ هِيَ لِلَّهِ وَبِاللَّهِ وَبِأَمْرِهِ، وَلِابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ.
وَمَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ بَيْتِهِ وَدَخَلَ سُوقَهُ أَوْ مُدْخَلًا آخَرَ؛ إِلَّا بِصِدْقٍ أَوْ بِكَذِبٍ، فَمُخْرَجُ كُلِّ وَاحِدٍ وَمُدْخَلُهُ: لَا يَعْدُو الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ" اﻫ المراد من "مدارج السالكين" (3/ 9 و10، ط 2، 1429هـ، دار طيبة).

الجمعة 28 رمضان 1438هـ




[1] - غير موجودة في بعض النسخ كما أفاد المحقق وقال: ولعل الصواب حذفها.

دعاءُ سليمان عليه السلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وإخوانِه المتَّبِعين.
أمَّا بعد:
قال العلامة السعدي رَحِمَهُ اللهُ:
"ومن ذلك: دعاءُ سليمان عليه السلام:
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)﴾ [النمل]
فتوسَّل إلى الله بربوبيَّته، وبنعمته عليه وعلى والديه؛ أن يُوْزِعَهُ أي: يُلْهِمَه ويوفِّقَه لِشكرِها، بالاعتراف بها، ومحبتِه لله عليها والثناءِ عليه، والإكثارِ مِن ذكره، وأن يوفِّقَه عملًا صالحًا يرضاه -ويَدخل في هذا جميعُ الأعمالِ الصالحةِ ظاهرِها وباطنِها- وأن يُدخلَه برحمته في جملةِ عِبادِه الصالحين.
وهذا الدعاءُ شاملٌ لخيرِ الدنيا والآخرة.
ومثلُ هذا:
دعاءُ الذي بَلَّغه اللهُ أشُدَّه وبلَّغه أربعين سَنة، ومَنَّ عليه بالإنابة إليه
فقال:
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)﴾ [الأحقاف]
فتوسَّل بـ:
ربوبيَّة ربِّه له.
وبنعمتِه عليهِ وعلى والديه.
وبالتزامِ تَرْكِ ما يَكرهه ربُّه بالتوبة.
وفِعل ما يحبُّه بالإسلام.
أن يمُنَّ عليه بالشكر المتضمِّن لِاعترافِ القلب وخضوعِه ومحبتِه للمُنعِم، والثناءِ على الله مطلقًا ومقيدًا.
وأن يوفِّقَه لِما يحبُّه اللهُ ويرضاه.
 ويُصلحَ له في ذريَّتِه.
فهذا دعاءٌ محتوٍ على صلاحِ العبد، وإصلاحِ اللهِ له أمورَه كلَّها، وإصلاحِ ذريَّتِه في حياته وبعد مماته، وهو دعاءٌ حقيقٌ بالعبد -خصوصًا إذا بلغ الأربعين- أن يداوِم عليه بِذُلٍّ وافتقار؛ لعله أن يَدخل في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)﴾ [الأحقاف]" اﻫ من "المواهب الربانية" (ص 133-135، ط3، 1428، دار المعالي).


فائدة في شكر اللهِ على نِعَمِهِ على الوالدَين
قال الوزير ابن هبيرة -رَحِمَهُ اللهُ- في قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾:
"هذا مِن تَمَامِ بِرِّ الوالدَين، كأنَّ هذا الوَلَدَ خافَ أن يَكونَ والِداهُ قَصَّرا في شُكْرِ الرَّبِّ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَسَألَ اللهَ أن يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ على ما أَنْعَمَ به عليهِ وعليهما؛ لِيقُومَ بما وَجَبَ عليهما مِن الشُّكْر إنْ كانا قَصَّرا" اﻫ من "الذيل على طبقات الحنابلة" (2/147، ط1، 1425، مكتبة العبيكان).
أمَّا العلامة السعدي فقال:
"﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ أي: نِعَمِ الدِّينِ ونِعَمِ الدُّنيا، وشُكْرُه بِصَرْفِ النِّعَمِ في طاعةِ مُسْدِيها ومُوليها، ومقابلةِ مِنَّتِه بالِاعترافِ والعجزِ عن الشُّكرِ والاجتهادِ في الثناءِ بها على الله. والنِّعَمُ على الوالدَين نِعَمٌ على أولادِهم وذرِّيتِهم؛ لأنهم لا بد أن يَنالَهم منها ومِن أسبابها وآثارها، خصوصًا نِعَمُ الدِّين؛ فإنَّ صلاحَ الوالدَين بالعِلم والعمل مِن أعظمِ الأسبابِ لِصلاحِ أولادهم" اﻫ من "تيسير الكريم الرحمٰن" (ص781، ط1، 1421هـ، مؤسسة الرسالة).

 
فائدة في معنى ﴿أَوْزِعْنِي﴾
جاء في "مجمل اللغة" لابن فارس رَحِمَهُ اللهُ:
"وزع: وَزَعْتُ الرَّجُلَ عنِ الأمرِ: كَفَفْتُه، وفي كتاب الله - جَلَّ وَعَزَّ-: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: 17]، أي: يُحْبَسُ أوَّلُهم على آخِرِهم.
وأَوْزَعَهُ اللهُ الشُّكْرَ: أَلْهَمَهُ إيَّاه.
ويقال: هو من أُوزِعَ بالشيء، إذا أُوْلِعَ به، كأنَّ اللهَ تعالى يُوزِعُه بِشُكْرِه" اﻫ من "مجمل اللغة" (ص924، ط2، 1406، مؤسسة الرسالة).
وجمعها العلامة ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ- فقال:
".. فقد دار معنى اللفظةِ على معنى:
q ألْهِمْني ذلك.
q واجعلني مُغْرًى به.
q وكُفَّني عمَّا سواه" اﻫ من " شفاء العليل" (ص 123 ، ط دار التراث).
هذا؛ ومعلومٌ أنَّ الشُّكرَ يكون بالجوارح كما يكون بالقلب واللسان، فهذا الدعاءُ مَطلبُ مَن أراد أن يكون -حقًا- مُلهَمًا شُكرَ اللهِ تعالى، مُوَفَّقًا إلى سُبُله، مُغْرًى به مُوْلَعًا بأنواعه، غيرَ غافِلٍ عنه، بل هو بِشُكْرِهِ مكفوفٌ عن الغفلةِ والكُفران!

الخميس 20 رمضان 1438هـ

دعاءُ يوسفَ عليه السلام

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه
أما بعد:
قال العلامة السعدي رَحِمَهُ اللهُ:
وكذلك: دعاءُ يوسف عليه السلام:
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾ [يوسف].
فتوسَّلَ إلى اللهِ بـ:
ربوبيَّتِه
وبنعمةِ الله عليه بـ:
نعمةِ الدنيا، وهي: الملكُ وتوابعُه.
ونعمة الدينِ، وهي: العلمُ الكامل.
وبولايةِ اللهِ وانقطاعِه عن غيره، وتولِّي اللهِ له في الدنيا والآخرة.
أن يُثبِّتَه على الإسلام الظاهِرِ والباطن حتى يَلْقَاه عليه، فيُدخلَه في خُلَّصِ عِبادِه الصَّالحين" اﻫ من "المواهب الربانية" (ص133، ط 1428ﻫ، دار المعالي).


جموعٌ في دعاء يوسف عَلَيْهِ السَّلَامُ!
قال الإمام ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ:
"جَمَعَتْ هَذِه الدعْوَةُ:
الْإِقْرَارَ بِالتَّوْحِيدِ.
والِاستلامَ للربِّ.
وَإِظْهَارَ الِافتقارِ إِلَيْهِ.
والبراءةَ مِن مُوالَاة غَيرِه سُبْحَانَهُ.
وَكَونَ الْوَفَاةِ على الْإِسْلَامِ أَجَلَّ غاياتِ العَبْد.
وَأَن ذَلِك بيدِ اللهِ لَا بيدِ العَبْدِ.
وَالِاعْتِرَافَ بالْمَعادِ.
وَطلبَ مُرافَقةِ السُّعَدَاء" اﻫ من "الفوائد" (ص 292، ط المجمع).


الأحد 16 رمضان 1438هـ

دعاءُ إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام

الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمّا بعد:
قال العلامة السعدي رَحِمَهُ اللهُ:
"ومن ذلك: دعاءُ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ، وابنِه إسماعيل، وهما يرفعان قواعد البيت:
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  [البقرة: من الآيتين 127، 128].
فتضرَّعا إلى ربِّهم[1] في قبولِ اللهِ عَمَلَهُما، وأن يكون كاملًا مِن كلِّ وجه، وتحصُل منه الثمرات النافعة.
وتوسَّلا إليه بأنه السميعُ لِأقوالهما، العليمُ بجميع أحوالهما.
ولَمَّا دعَوَا بهذا الدعاء الخاصِّ في قبول عملِهما؛ سَأَلا اللهَ أجَلَّ الأمورِ وأعلاها، وهو أن يمنَّ اللهُ عليهما وعلى مَن شاء مِن ذريَّتِهما بالإسلامِ للهِ ظاهرًا وباطنًا، والعملِ بما يحبه ويرضاه، وأن يعلِّمَهما العملَ الذي شَرَعَا فيه، ويكمِّل لهما مناسِكَهما؛ عِلمًا ومعرفةً وعملًا، وأن يتوب عليهما؛ لِتتمَّ أمورُهما مِن كلِّ وجه.
فاستجاب اللهُ هذا الدعاءَ كلَّه، وبارك فيه، وحَقَّقَ رجاءهما، واللهُ ذو الفضل العظيم" اﻫ من "المواهب الربانية" (ص132 و133، ط 1428ﻫ، دار المعالي).



فائدة:
(السميع) في مقام الدعاء بمعنى (المُستجيب)
وقال رَحِمَهُ اللهُ:
"وأما قول الخليل وإسماعيل -عليهما السَّلام- وهما يرفعان القواعد من البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ فإنه توسُّلٌ إلى الله بهذين الاسمين إلى قَبول هذا العمل الجليل، حيث كان اللهُ يعلم نيَّاتِهما ومقاصدَهما، ويَسمع كلامَهما، ويُجيب دعاءهما؛ فإنه يراد بالسميع في مقام الدعاء -دعاءِ العبادة ودعاءِ المسألة- معنى المستجيب، كما قال الخليل في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [ابراهيم من الآية: 39]" اﻫ من "القواعد الحسان" (القاعدة التاسعة عشرة المتعلقة بخواتم الآيات من الأسماء الحسنى).


قال الإمام محمد بن عبد الوهاب -رَحِمَهُ اللهُ- في فوائد مِن هاتين الآيتين الكريمتين:
" جلالُ الله وعظمتُه في قلوبِ الذين يعرفونه؛ لدعوتِهما بالقبول. وكان بعضُ السلفِ لَمَّا قرأها جعل يبكي ويقول: "ما بال خليل الله يرفع قواعد بيت الله ويخاف أن لا يقبله؟!".
توسُّلهما بالصفات.
طلبهما أن يرزقهما اللهُ الإسلامَ وهُما هُما! والغفلةُ عن هذه الكلمةِ مِن العجائب!
إشراكهما في الدعوة بعضَ الذرية، ففيها رغوبُ المؤمن وحِرصُه على صلاحِ ذريته.
طلبهما أن يعلِّمَهما المناسكَ، ففيه حِرصُهما على العملِ بالنصِّ مع عِصمتهما!
طلبهما أن يتوبَ عليهما وهما هما! [ففيه] خوفُهما مِن الذنوب" اﻫ من "مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهّاب" (2/ 44و45، ط1، 1421ه، دار القاسم).

السبت 15 رمضان 1438هـ




[1] - كذا في الكتاب.

دعاءُ آدمَ و دعاءُ نوحٍ عليهما السلام

الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمَّا بعد:
قال الشيخ عبد الرحمن السعديّ رَحِمَهُ اللهُ:
"ومن ذلك: دعاءُ آدمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حين تاب إلى اللهِ وتلقَّى منه هذه الكلماتِ هو وزوجُه:
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (32)﴾ [الأعراف].
فتوسَّلا بـ:
ربوبيِّةِ اللهِ.
واعترافِهم بالظلم.
وإقرارهم بالذنب.
أن:
يغفر لهما، فيزيل عنهما المكارهَ كلَّها.
وأن يرحمهما فيعطيَهما أنواعَ المطالب.
وأنه لا وسيلةَ لهما ولا ملجأَ منه إلا إليه، وأنه لئن لم يرحمْهما ويغفرْ لهما؛ خَسِرَا الدنيا والآخرةَ؛ فقبل اللهُ دعاءهما وغَفر لهما ورحمهما.

ومِثْلُ قولِ نوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا لامَهُ اللهُ بسؤالِ نجاةِ ابنِه الكافر، الذي ليس مِن أهله، وأنَّ هذا عملٌ غير صالح، فقال:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)﴾ [هود].
فتوسَّل بربوبيَّةِ اللهِ، واستعاذ به أن يَسأله سؤالًا ليس له به عِلم، وإنما حَمَلَه عليه مجردُ مَحبةِ النفْس، لا إرادةُ رضى الله، واعترف بأنَّ هذا الذي جرى منه يوجِب التضرُّعَ والاستغفار، وأنه إن لم يَغفرْ له ربُّه ويرحمْه؛ كان مِن الخاسرين. فالناس قسمان:
رابحون: وهم الذين تغمَّدهم اللهُ بمغفرتِه ورحمته.
وخاسرون: وهم الذين فاتتْهم المغفرةُ والرحمة، ولا يحصل ذلك إلا بالله" اﻫ من "المواهب الربانية" ص131 و 132، ط 1428ﻫ، دار المعالي).


فائدة
الدعاء يأتي بصيغةِ الطَّلَبِ وبصيغةِ الخَبَر

قال شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ:
".. الطَّالِب السَّائِل:
تَارَةً يَسْأَلُ بِصِيغَةِ الطَّلَبِ.
وَتَارَةً يَسْأَلُ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ:
- إمَّا بِوَصْفِ حَالِهِ.
- وَإِمَّا بِوَصْفِ حَالِ الْمَسْئُولِ.
- وَإِمَّا بِوَصْفِ الْحَالَيْنِ.
كَقَوْلِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبِّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فَهَذَا لَيْسَ صِيغَةَ طَلَبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ وَيَرْحَمْهُ خَسِرَ، وَلَكِنَّ هَذَا الْخَبَرَ يَتَضَمَّنُ سُؤَالَ الْمَغْفِرَةِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ" اﻫ من "مجموع الفتاوى" (10/ 244).



وَمَقَالُنَا ما قَالَهُ الأَبَوانِ قَبْــلُ
قال الإمام ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ:
يا مَن تَعِزُّ عَلَيْهُمُ أَرْوَاحُهُمْ * وَيَرَوْنَ غَبْنًا بَيْعَهَا بِهَوَانِ
وَيَروْنَ خُسْرانًا مُبِيْنًا بَيْعَهَا * في إِثرِ كُلِ قَبِيْحَةٍ وَمُهَانِ
وَيَرَوْنَ مَيْدَانَ التَّسَابُقِ بَارِزًا * فَيُتَارِكُونَ تَقَحُّمَ المَيْدَانِ
وَيَرَوْنَ أَنْفَاسَ العِبَادِ عَلَيْهِمُ * قَدْ أُحْصِيَتْ بالعَدِّ والحُسْبَانِ
وَيَرَوْنَ أَنَّ أَمَامَهُمْ يَوْمَ اللِّقَا * للهِ مَسْأَلَتَانِ شَامِلَتَانِ
ماذا عَبَدْتُمْ ثُمَّ ماذَا قَدْ أَجبْـ * ـتُمْ مَن أَتَى بالحَقِ والبُرْهَانِ
هيُّوا جَوابًا لِلسُّؤالِ وَهَيِّئُوا * أَيْضًا صَوَابًا لِلْجَوابِ يُدَانِي
وَتَيَقَّنُوا أَنْ لَيْسَ يُنْجِيْكُمْ سِوَى * تَجْرِيْدِكُم بِحَقَائِقِ الإِيْمَانِ
تَجْرِيْدُكُم تَوْحِيْدَهُ سُبْحَانَه * عن شِرْكَةِ الشَيطانِ والأَوْثَانِ
وَكَذَاكَ تَجْرِيدُ اتِّباعِ رَسُولِهِ * عن هَذِهِ الآراءِ والهَذَيانِ
واللهِ! مَا يُنْجِي الفَتَى مِنْ رَبِهِ * شَيءٌ سِوَى هَذَا بلا رَوَغَانِ
يَا رَبِّ! جَرِّدْ عَبْدَكَ المِسْكِيْنَ رَا * جِي الفَضْلِ مِنْكَ أُضَيعَفَ العُبْدَانِ
لم تَنْسَهُ وَذَكَرْتُه فاجْعَلْهُ لَا * يَنْسَاك أنْتَ بَدَأْتَ بالإِحْسَانِ
وَبِهِ خَتَمْتَ فَكُنتَ أَوْلَى بالجَمِيْـ * ـلِ وبالثَّنَاءِ مِنَ الجَهُولِ الجَانِي
فالعَبْدُ لَيْسَ يَضِيْعُ بَيْنَ فَواتِحٍ * وَخَوَاتِمٍ  من فَضْلِ ذِي العِرْفَانِ
أَنْتَ العَلِيْمُ بِهِ وَقَدْ أَنْشَأْتَهُ * مِنْ تُرْبَةٍ هِيَ أَضْعَفُ الأَرْكَانِ
والضَّعْفُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْنَا مِن جَمِيْـ * ـع جِهَاتِنا سِيَمَا مِن الإِيمانِ
يا رَبِّ! مَعْذِرةً إِلَيْكَ فَلَمْ يَكُنْ * قَصْدُ العِبَادِ رُكُوبَ ذَا العِصْيَانِ
لَكِنْ نُفُوسٌ سَوَّلَتْهُ وَغَرَّهَا * هَذَا العَدُوُّ لَهَا غُرُوْرَ أَمَانِي
فَتَيَقَنْتْ يَا رَبِّ! أَنَّكَ واسِعُ الـ * ـغُفْرانِ ذُوْ فَضْلٍ وَذُو إحْسَانِ
وَسَعَتْ إلى الأَبَوَيْنِ رَحْمَتُكَ الَّتِي * وَسِعَتْهُمَا فعَلَا بِكَ الأَبَوَانِ
هَذَا ونَحْنُ بَنُوهُمَا وحَلُوْمُنَا * في جَنْبِ حِلْمِهمِا لَدَى المِيْزَانِ
جُزْءٌ يَسِيْرٌ والعَدُوُ فَوَاحِدٌ * لَهُمَا وَأَعْدَانَا بلا حُسْبانِ
وَمَقَالُنَا ما قَالَه الأَبَوانِ قَبْـ * ـلُ مَقَالَةَ العَبْدِ الظَّلُومِ الجَانِي
نَحْنُ الأُلَى ظَلَمُوا وإنْ لَمْ تغفر الـ * ـذَنْبَ العَظِيْمَ فَنَحْنُ ذُوْ خُسْرَانِ
يَا رَبِّ! فانْصُرْنَا على الشيطان ليـ * ـسَ لَنَا بِهِ لَوْلَا حِمَاكَ يَدَانِ
"الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" الأبيات (4145 – 4162).

الثلاثاء 11 رمضان 1438هـ

دعاءُ عِبادِ الرحمن

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على نبيه الذي اصطفى، وعلى آله وصحبه ومن أثره اقتفى.
أمّا بعد:
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
"ومِن ذلك: دعاءُ عبادِ الرحمٰن، الذين وصفهم اللهُ بكلِّ خُلقٍ جميل، وأعدَّ لهم المنازلَ العالية؛ فدعوا بدعوتين:
دعوةٍ استُجيبت لجميعِهم -كاملَ الدرجة ومَن دونه-.
ودعوةٍ استُجيبت لخواصِّهم وأئمَّتِهم وقُدْوتهم.
قال تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ -إلى أن قال عنهم-:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: الآيات 63 - 65]
فتوسَّلوا بربوبيَّةِ اللهِ لهم، وإيمانِهم وخوفِهم مِن عذابه؛ أن يقيَهم عذابَ النار، وإذا وقاهم اللهُ عذابَ النار؛ كان مِن لازم ذلك مغفرةُ ذنوبهم، وتكفيرُ سيئاتهم، ودخولُهم الجنة.
وقال تعالى عنهم:
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)﴾ [الفرقان]
فتوسَّلوا بربوبيَّةِ اللهِ أن يَهَبَ لهم مِن أزواجهم وقرنائهم وذريَّاتهم ما تَقَرُّ أعيُنُهم به، وهو: أن يكونوا مطيعين لله، عاملين بمرضاته، وذلك دليل على أنَّ طاعةَ اللهِ قُرَّةُ أعينِهم ومَحبَّتَه نعيمُ قلوبِهم.
فقَويتْ هذه الحالةُ إلى أنْ سألوا اللهَ تعالى أن يجعل قُرناءهم بهذه الحالة الكاملة، وذلك مِن فضل الله عليهم؛ فإنَّ الله إذا أصلح قرناءَهم عاد مِن هذا الخير عليهم شيءٌ كثير، ولهذا؛ جعلوا هذا مِن مواهب ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا﴾ إلخ.
ولَمَّا كان غايةُ كمالِ الإنسان: أن يكون مطيعًا لله، وأن يكون قرينًا لِلمُطيعين؛ سألوا ربهم أعلى المراتب وأجَلَّها، وهي الإمامةُ في الدِّين، وأن يكونوا قدوةً للمتقين، وذلك:
أن يجعلهم:
- علماءَ ربَّانيين.
- راسخين في العلم.
- مجتهدينَ في تعلُّمِه وتعليمِه والدعوةِ إليه.
وأن يكون علمُهم صحيحًا؛ بحيث أنَّ مَن اقتدى بهم فهو مِن المتقين.
وأن يرزقهم مِن الأعمال الظاهرة والباطنة ما يصيرون به أئمَّةً للمتقين.
وجماع ذلك:
الصبرُ على محبوبات الله.
وثباتُ النفس على ذلك.
والإيقانُ بآيات الله، وتمامُ العلم بها.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)﴾ [السجدة].
فالحاصل أنهم سألوا ربهم أن يكونوا كامِلين مكمِّلين لغيرهم، هادين مهتدين، وهذه أعلى الحالات، فلذلك أعدَّ الله لهم أعلى غُرف الجنان:
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)﴾ [الفرقان]" اﻫ من "المواهب الربانية" (ص130 و131، ط 1428ﻫ، دار المعالي).



الإثنين 10 رمضان 1438هـ