مواضع {هُوَ اللهُ}



للحُفَّاظِ والمتحفِّظين وعمومِ قُرّاء كتابِ ربِّنا العظيم:

بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام علىٰ خاتم رسل الله أجمعين، أمَّا بعد:
فإنه لا أبلغ ولا أحسن مِن وَصْفِ ربِّنا عَزَّ وَجَلَّ وتقدَّس لنفسِه جَلَّ جَلَالُهُ، ومِن ذٰلك: الآيات التالية التي يجمعها عَودُ الضمير إليه سُبْحَانَهُ.

مواضع قوله تعالىٰ: ﴿هُوَ اللهُ﴾ -هٰكذا بدون واو- سبعة:
1/ في الكهف: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَـٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)﴾.
2/ في سبأ: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاء كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)﴾.
3/ في الزُّمَر: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)﴾.
4 – 6/ خاتمة الحشر: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)﴾.
7/ في الإخلاص: بسم الله الرحمٰن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾.

أمّا مواضعها بالواو ﴿وَهُوَ اللهُ﴾؛ فاثنان:
1/ مطلع الأنعام: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)﴾.
2/ في القصص: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)﴾.

مِن حُسن الأسماء الحسنىٰ
قال العلَّامةُ عبد الرحمٰن السعدي -رَحِمَهُ اللهُ- في تفسيره خاتمةَ سورة الحشر:
"هٰذه الآيات الكريمات قد اشتملت علىٰ كثيرٍ مِن أسماءِ الله الحسنىٰ وأوصافِه العلىٰ، عظيمة الشأن، وبديعة البرهان، فأخبر أنه ﴿اللهُ﴾ المألوه المعبود، ﴿الَّذِي لا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾، وذٰلك لكماله العظيم، وإحسانه الشامل، وتدبيره العام، وكلُّ إلٰهٍ سواه فإنه باطل، لا يَستحق مِن العبادة مثقال ذرة؛ لأنه فقير عاجزٌ ناقص، لا يملك لنفْسِه ولا لغيره شيئًا.
ثم وصف نفْسَه بعموم العِلم الشامل لِمَا غاب عنِ الخَلق وما يشاهدونه، وبعمومِ رحمته التي وسعتْ كلَّ شيء، ووصلتْ إلىٰ كلِّ حي.
ثم كرَّر [ذِكرَ] عمومِ إلٰهيَّتِه وانفرادِه بها، وأنه المالك لجميع الممالِك، فالعالمُ العُلويُّ والسُّفليُّ وأهلُه، الجميعُ مماليكٌ لِلّٰه، فقراءُ مدبَّرون.
﴿الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ أي: المقدَّس السالم مِن كلِّ عيبٍ وآفةٍ ونقْص، المعظَّم الممَجَّد؛ لأنَّ القُدُّوسَ يدلُّ علىٰ التنزيهِ عن كلِّ نقْصٍ، والتعظيمِ لِلّٰه في أوصافه وجلاله.
﴿الْمُؤْمِنُ﴾ أي: المصدِّق لِرُسُله وأنبيائه، بما جاءوا به، بالآيات البيِّنات، والبراهينِ القاطعات، والحُجَجِ الواضحات.
﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يُغالَب ولا يمانَع، بل قد قَهَرَ كلَّ شيء، وخَضع له كلُّ شيء.
﴿الْجَبَّارُ﴾ الذي قَهَرَ جميعَ العِباد، وأَذْعَن له سائرُ الخَلق، الذي يَجبر الكَسير، ويُغني الفقير.
﴿الْمُتَكَبِّرِ﴾ الذي له الكبرياءُ والعظَمة، المتنزِّه عن جميعِ العُيوبِ والظُّلم والجَور.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهٰذا تنزيهٌ عامٌّ عن كلِّ ما وَصَفَه به مَن أَشْرَك به وعانَده.
﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ لجميع المخلوقات ﴿الْبَارِئُ﴾ لِلمَبْروءات ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ للمُصَوَّرات.
وهٰذه الأسماءُ متعلِّقةٌ بالخَلق والتدبيرِ والتقدير، وأنَّ ذٰلك كلَّه قدِ انفرد اللهُ به، لم يُشاركْه فيه مشارِكٌ.
﴿لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ أي: له الأسماءُ الكثيرةُ جدًّا، التي لا يُحْصيها ولا يَعلمها أحدٌ إلَّا اللهُ هو، ومع ذٰلك؛ فكلُّها حُسنىٰ أي: صفاتُ كمالٍ، بل تدلُّ علىٰ أكملِ الصفاتِ وأعظمِها، لا نقْصَ في شيءٍ منها بوَجْهٍ مِن الوجوه. ومِن حُسْنِها:
أنَّ اللهَ يُحِبُّها.
ويحِبُّ مَن يُحِبُّها.
ويحِبُّ مِن عِبادِه أن يَدْعُوه ويَسألوه بها.
ومِن كمالِه وأنَّ له الأسماءُ الحسنىٰ، والصفاتُ العليا:
أنَّ جميعَ مَن في السماوات والأرض مُفتقِرون إليه على الدَّوام، يُسبِّحون بِحمدِه، ويَسألونَه حوائجَهم، فيُعطِيهم مِن فضلِه وكرمِه ما تقتضيه رحمتُه وحكمتُه.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يريد شيئًا إلَّا ويكون، ولا يكوِّن شيئًا إلَّا لحكمة ومصلحة" اﻫ من "تيسير الكريم الرحمٰن" ص 854.

في أصل كلمة  ﴿لَـٰكِنَّا
"أَصْلَهُ: وَلَٰكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَتَرْمِينَنِي بِالطَّرْفِ أَيْ أَنْتَ مُذْنِبٌ * وَتَقْلِينَنِي لَٰكِنَّ إِيَّاكِ لَا أَقْلِي
يُرِيدُ: لَٰكِنَّ أَنَا إِيَّاكِ لَا أَقْلِي، فَحَذَفَ الْهَمْزَةَ مِنْ (أَنَا)، فَالْتَقَتْ نُونُ (أَنَا) وَنُونُ (لَٰكِنْ)، وَهِيَ سَاكِنَةٌ، فَأُدْغِمَتْ فِي نُونِ (أَنَا)؛ فَصَارَتَا نُونًا مُشَدَّدَةً" اﻫ من "تفسير الطبري" (1/ 123، ط هجر).
"يَقُولُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَكْفُرُ بِرَبِّي، وَلَٰكِنْ أَنَا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقُولُ: وَلَٰكِنْ أَنَا أَقُولُ: هُوَ اللَّهُ رَبِّي" اﻫ من المصدر السابق (15/ 263 و264).
ويراعىٰ في التلاوة حذْفُ الألفِ الأخيرة مِن ﴿لٰكِنَّا﴾ حالَ الوصل، وذٰلك لجميع القرّاء غيرَ أبي جعفر وابن عامر ورويس، ولا خلاف بينهم في إثباتها وقفًا، وليست الكلمةُ محلَّ وقف.

 
السبت 21 رمضان 1435ﻫ