هل يلزم تبييتُ نيةِ الصَّوم كلَّ ليلةٍ مِن رمضان؟

بسم الله الرحمن الرحيم
نص الرسالة:
~~~~~~
هل يلزم تبييتُ نيةِ الصَّوم كلَّ ليلةٍ مِن رمضان؟ أم تكفي نيّةٌ واحدةٌ أولَ الشهر؟
ينظر:
سنن أبي داود
ك الصيام
ب النية في الصيام
~~~~~~~~~~~
قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ:
(مَنْ لَمْ يُجْمِعِ (في رواية: يُبَيِّتِ) الصِّيَامَ [مِنَ اللَّيْلِ] قَبْلَ الْفَجْرِ؛ فَلا صِيَامَ لَهُ).
رواه الحافظ أبو داود وغيرُه، والروايةُ واللفظُ الآخرُ للحافظ النسائي، يُنظر تخريجُه برواياته مع تحقيقِ الوالدِ -رَحِمَهُ اللهُ- في "الإرواء" (914).
قال العلامة الخطّابيّ رَحِمَهُ اللهُ:
"مَعْنَى الإِجْمَاع: إِحْكَامُ النِّيَّةِ وَالْعَزِيمَة، يُقَال: أَجْمَعْتُ الرَّأْيَ وَأَزْمَعْتُ؛ بِمَعْنًى وَاحِد.
وَفِيهِ بَيَان أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَتْ نِيَّته لِلصَّوْمِ عَنْ أَوَّل وَقْته؛ فَإِنَّ صَوْمه فَاسِد.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ نِيَّة الشَّهْرِ كُلِّه فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ؛ لَا يُجْزِئهُ عَنِ الشَّهْرِ كُلِّه؛ لأَنَّ صِيَامَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ صِيَامٌ مُنفَرِدٌ بِنَفْسِهِ، مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا لَمْ يَنْوِهِ فِي الثَّانِي قَبْل فَجْره، وَفِي الثَّالِث كَذٰلك؛ حصل صيامُ ذٰلك اليوم صيامًا لم يُجمِعْ له قَبْلَ فَجْرِه؛ فبَطَلَ. وَهُوَ قَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَر، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَبه قال الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل" اﻫ مِن "معالم السُّنن" (2/ 133 و134).
تنبيه:
النية محلها: القلب. والتلفظ بها: بدعة.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
تعليق الوالد -رَحِمَهُ اللهُ- على الحديث – ضمنَ شرحه لبعض أحاديث كتاب الصيام مِن "بلوغ المرام"-:
"هنا حديث ثانٍ، فيه بيانٌ لوجوب ما يُعرف عند الفقهاء بـ: تبييت النية في صوم الفرض وبخاصة صوم رمضان، لابد كلَّ ليلة من أن ينوي العازِمُ على الصيامِ في ساعةٍ من الليل -مِن بعد غروب الشمس إلى قبيل مطلع الفجر- لابد من أن ينوي في ساعةٍ من هٰذا الليل أنه صائم غدًا، فإن لم يفعل ذٰلك؛ فلا صيام له، ويبقى صيامُه تطوُّعًا، وعليه يوم آخر، يدل على ذٰلك هٰذا الحديث السابع، وهو قوله:
(وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ قال:
«مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ فَلا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ)".

ثم تكلم الوالد -رَحِمَهُ اللهُ- عن مصطلح: (رَوَاهُ الْخَمْسَةُ)، ثم في مسألة اختلاف الأئمة في رفْعِ هٰذا الحديث ووقْفِه، ثم قال:
"لكن هٰذا الحديث لم يذكر فيه الرسولُ عليه السلام رمضانَ، بل أَطلق فقال:
«مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ فَلا صِيَامَ لَهُ».
ونحن قلنا -في التمهيدِ لهٰذا الحديث-: أنه من لم يبيِّت النيةَ في صيام الفرض وبخاصةٍ في شهر رمضان؛ فمن أين جئنا بهٰذا القيد؟
هٰذا القيد جيء بِالتوفيق بين هٰذا النصِّ وبين حديثٍ آخر رواه الإمامُ مسلم وغيرُه مِن حديث السيدة عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها، أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرّ على بعضِ نسائه غداةَ يومٍ فقال:
(هل عندكم مِن غداء مِن طعام؟ قالوا: لا. فقال عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ:
«إِنِّي إِذًا صَائِمٌ». [يُنظر: "صحيح مسلم" 1154].
فأنشأ النية في الضَّحْوة، وهنا معناه صراحةً أنه ما بَيَّتَ النية من الليل؛ لأنه كان يريد أن يأكل، لكنه لمَّا لم يجد عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ طعامًا يتغدَّى به؛ اغتنمها فرصة؛ ما دام سنعيش النهار بدون طعام؛ فلنجعلها -إذًا- صيامًا لوجه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فقال: (إِنِّي إِذًا صَائِمٌ).
مِن هنا فرَّق جماهير العلماء بين:
صوم الفَرْض: فيجب فيه تبييتُ النية لِكُلِّ ليلة. وبين:
صوم التطوُّع: فلا يجب فيه التبييتُ، وإنما يجوز إنشاؤه ضَحوةً.
وهٰذا هو الأصح مِن مذاهب العلماء، وهو مذهب الإمام الشافعي.
أما الأحناف؛ فاقتَصَروا على القول بأنه يكفي أن ينويَ شهرَ رمضان كلَّه نيةً واحدة، أول ما يدخل، أولَ ليلة يصومه؛ فيكفي ذٰلك عن صيامِ الشهر كلِّه بنية واحدة، لكنْ في هٰذا ما علمتُم مِن الإهدارِ والإهمالِ لحديث حفصة هٰذه.. أم المؤمنين".

ثم سئل الوالدُ -رَحِمَهُ اللهُ- سؤالاً -غير واضح لفظُه-؛ فأجاب: 
"لا؛ النِّيَّاتُ في كُلِّ العبادات مَقرُّها في القلب، ويجب أن يَعرف هٰذا كلُّ مسلم يَهمُّه اتباعُ الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ.
وما اعتاده جماهيرُ المسلمين اليومَ وقبلَ اليوم، وما تَقَرَّر في بعضِ الكتب الفقهية مِن أنَّ التلفُّظَ بالنيةِ سُنَّة، منهم مَن يقول: سُنّة مستحبة، ومنهم مَن يقول في بعض الحواشي والشروح تفسيرًا لِقول الماتن تحت عنوان: (سُنن الصلاة)؛ فيَعدُّ أولَ ما يعدّ: (التلفُّظ بالنية)! يأتي المحققون والباحثون فلا يجدون في سُنِّة الرسولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ التلفُّظَ بنيةِ الصلاةِ مطلقًا، فماذا يفعلون بقولِ هٰذا المؤلف، وهو إمام مِن أئمة المذهب، أو عالِم من علماء المذهب، وهو يَحشُر التلفظ بالنية تحت عنوان: (سُنن الصلاة)؟! فيضطرون أن يَسلكوا طريق التأويل؛ وذٰلك -بلا شك- ألطف مِن التخطئة الصريحة المكشوفة مِن حيث تأدُّب بعضِهم مع بعض، وإن كنا نحن نرى أن هٰذا وإن كان جميلاً من ناحية، ولكنْ ليس جميلاً من ناحية أخرى، ألا وهو الصدْع بالحق؛ لأنه يقول بعضُهم في تفسير قوله: "سُنّة" يعني: سُنّة المشايخ.. سُنّة المشايخ! هٰذا التأويل في فَهمي أنا للموضوع مِثل الْمَثَلِ العاميّ الذي يقول:
(كنا تحت المطر، وصِرنا تحت المزْراب)!
يعني: كنّا في خطأِ نِسبةِ هٰذا الأمر إلى الرسول عليه السلام؛ أن مِن السُّنّة التلفظ بالنية، هٰذا خطأ، لكن خطأ جزئي، لكن هٰذا التأويل -الذي هو أشبَهُ بالترقيع- فَتَح لنا بابًا كبيرًا جدًا، وهو أنه يوجد سُنة الرسول عليه السلام، ويوجد سنة المشايخ! فهل المشايخ أيضًا يَسنُّون للناس؟! هٰذا لا يجوز، لٰكنْ هٰذا مِن شؤم التأويل وعدم المصارحة بالحق. كان بالإمكان أن يقول -هٰذا الشارح أو ذاك المحشِّي-: (لم يثبت)، كما يقول ابن القيم في "زاد المعاد" وغيره: (لم يثبت عن الرسول عليه السلام، ولا عن السلف، ولا عن الأئمة الأربعة أنّ التلفظَ بالنية سنة). وانتهت المشكلة، ومَن ذا الذي لا يخطئ؟! أبى اللهُ أن يتم إلا كتابه.
ولذٰلك؛ التلفظ بالنية في كلِّ الطاعات والعبادات: مِن البدع الدَّخِيلة في الدِّين، فإذا قمتَ تصلي؛ لا تقل: نويتُ أن أُصلّي لله تعالى أربعًا .. ثلاثًا.. اثنتين؛ مقتديًا منفردًا إمامًا، هٰذا كله من لغو الكلام، لا سيما وأنت تباشر به ربَّ العالمين؛ تقف بين يديه فتُعَبِّر له عن نيتِك، وهو يعلم السِّرَّ وأَخْفى! وإنما يجب أن تفتتحَ عبادتَك وصلاتَك بـ(الله أكبر)، وقد جاء في "صحيح مسلم" مِن حديث السيدة عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها:
(أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ كان يَسْتَفْتِحُ صَلاتَه بـ(الله أكبر) بالتكبير). [يُنظر "صحيح مسلم" 498].
فنحن بهٰذا نستفتح صلاتنا بالبدعة! وقد قال عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ:
«كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ» ["سنن النسائي" 1578 ، وصححه الوالد رَحِمَهُ اللهُ] .
وبهٰذه المناسبة؛ أريد أن أذكِّر:
فقد قرأتُ آنفًا في كتابٍ لِبعض إخواننا، يقول في بعض البدع:
(إنّ أقلَّ ما يقال في هٰذه البدعة أنها خِلافُ الأَولى).
الآن لا أستحضر هٰذه البدعة، فأنا لا أرى لإخواننا السلفيين أن يَتهاوَنوا في التعبير عن أيّةِ بدعةٍ مهما كانت في الظَّاهر أنها سَهلة، وأنها لا خطورة فيها؛ لا أرى أن يقولوا فيها: إنه خلاف الأولى؛ لأن الرسول يقول:
«كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ».
وهٰذا التعميمُ لم يَدخله تخصيص، صحيح أنّ الضَّلالات ليست بنسبةٍ واحدة، لكنْ أقلّ واحدة منها هي ضلالة، والضلالةُ لا يقال: إنها خلاف الأولى!
لذٰلك؛ هٰذا التلفظ بالنية الذي نَفْتَتح به الصلاةَ؛ إنما نفتتح الصلاةَ بضلالة! بينما كان الواجبُ علينا أن نفتتحَ الصلاةَ بتكبيرِ الله عَزَّ وَجَلَّ.
كذٰلك الصيام -الذي نحن بصدده الآن، وأنه يجب تبييتُ النيةِ في الفرْض في رمضان- ليس معنى تبييتِ النيةِ أن يقول القائل بلفظِه وبقلبه: نويتُ أن أصومَ غدًا لله تعالى، لا. قل في قلبِك فقط، استحضِر نَفْسَك أنك صائم، واستحضِر أنك غدًا عازمٌ على الصيام، هٰذا هو النية.
كذٰلك في الوضوء؛ لا يقول القائل: نويتُ رفْعَ الحدث الأصغر، وفي الجنابة: رفع الحدث الأكبر، كل هٰذا الكلام هراء، لمن تقول هٰذا الكلام؟ لِنفسك؟! فأنت تعرف ما في نفسك. لربك؟! هو أعرف منك بنفسك، اتباعًا لنبيِّك؟ نبيُّك لم يكن على شيءٍ مِن هٰذا إطلاقًا، فكان التلفُّظُ بالنية في كل مجالات العبادات أمرًا ما أنزل اللهُ به من سلطان.
في الحجّ أيضًا -وهٰذا قد يَخفى على بعضِ الناس- في الحجّ يُذكَر في كتب المناسك: (نويتُ الحجّ والعمرة لله)؛ فهٰذا مِن هٰذا الباب، لا يصحّ أن يقول: (نويتُ)؛ إطلاقًا، وإنما تلبِّي: لبيك اللهم! بعمرة، لبيك اللهم! بحجة وعمرة، على حسب نيتك، أما: (نويت)؛ فهٰذا كلام لَغْو، إنما تقول: لبيك اللهم! بعمرة، لبيك اللهم! بحجة وعمرة، حسب ما هو عازمٌ عليه من الحج أو العمرة.
إذاً؛ فهٰذا الحديث الصحيح فيه دلالة على فَرْضية تبييت النية في الصيام، ولكنَّ هٰذا الصيامَ مخصَّصٌ بصيام رمضان والفَرْضِ كالنذر –مثلاً-، بدليل حديث عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها الذي أشرنا إليه آنفًا، وهو أول درسنا الآتي إن شاء الله تعالى، وبهٰذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين" اﻫ كلامُ الوالدِ أحسنَ اللهُ إليه.


video
***


رمضان 1432